نحو مؤتمر المُعَلِّمينَ/ات العَرب أملنا بمعلِّمينا وبِمعلِّماتنا

نحو مؤتمر المُعَلِّمينَ/ات العَرب أملنا بمعلِّمينا وبِمعلِّماتنا

د. شرف حسان

رئيس لجنة متابعة قضايا التعليم العربي

 

تنظّم لجنة متابعة قضايا التعليم العربيّ يومَ السّبت القَريب 5 تشرين أَوّل 2019 مؤتمر المعلِّمينَ والمعلِّماتِ العَرب في مدينةِ عرّابة البطوف. يأتي هذا المؤتَمر، الَّذي يُصادف يوم المعلِّم العالميّ والَّذي يُنَظِّم للسنة الثانية على التوالي، للاحتفاء بالمعلِّمينَ ومناقشة دورهم في واقعنا المركّب وتكريم مبادراتهم الهامّة الّتي أَطلَقَت في “عام اللغة العربية والهويّة” ولوضع موضوع مكانة المعلِّمينَ العرب ودورهم التربويّ الهام على جدول أَعمال مُجتمعنا العربيّ.

من خلال المؤتمَر والتحضير له نسعى إِلى توسيعِ دائرة المعلِّمين/اتِ الناشطين والتعرّف على معلّمين/ات قياديين ممكن أَنْ يأخذوا دورًا فعّالًا في برامج اللّجنة وبالذات مشروع تأطير المعلمين/ت ومعالجة ومواجهة مشاكل وصعوبات متعلقة بمواضيع التدريس المختلفة. إنَّ نجاح المؤتمر الذي بادرت بهِ لجنة متابعة التعليم ومنتديات المعلمين (المدنيات والتاريخ) في العام الماضي والتفاعل الكبير مع مشروع “عام اللغة العربية والهوية” والتوجّهات الكثيرة من قبل المعلّمين من الحقل لحلّ مشاكل متعلّقة بمواضيعهم (كان آخرُها قضية اللغة العربية في موضوع الجغرافيا)، تؤكّد على الحاجة الماسة للعمل مع المعلمين/ات العرب وتدعيمهم.

هذا المؤتمر ما هوَ إِلّا جزءٌ من بناء استراتيجيّة للنّهوضِ بالتّعليم العربي ترى بالمعلِّمينَ والمعلِّمات حلقة مركزيَّة في العمليّة التربويّة وتعي الدورَ الهامّ الّذي من الممكنِ أَنْ يلعَبَه المعلّمونَ والمعلِّمات رغم الواقع السياسيّ الصّعب والضّغوطات المؤسّساتيّة وتعامل المؤسّسة مع جهاز التربيّة في المجتمع العربيّ كجزءٍ من سياسة ومنظومة السيطرةِ على المواطنينِ العرب.

هذا الواقع هو أَحدُ العَوامل الأَساسيَّة لظاهرة الاغتراب في مدارسنا التي تجعل من مؤسَّساتِنا التربويّة عاجزةً عن مواجهة المشاكل الَّتي تعصف بمجتمعنا وعاجزة عن تلبية احتياجات مجتمعنا بالذات بكل ما يتعلق بالتربية للقيم والهوية الوطنية والانتماء.

مضامين التعليم الرسمية لا تعترف بنا كمجموعةٍ قوميَّةٍ تعيشُ في وطنها، وتدرسُ عن هذه البلاد-بلادنا كوطنٍ لشعبٍ آخر، تتجاهل تاريخنا وهويتنا الوطنية بل وتسعى إلى تشويهها وتريد منا أن نقبل مكانة دونية في الدولة وفوق هذا كله تسعى أَنْ تُقْنِعْنا بِأَنَّ هذا هو الأَمر الطبيعيّ بل والديمقراطي. يضاف إلى ذلك، تسخير التربية لخدمة النظام الاقتصادي النيئو-ليبرالي وبالتالي تأهيل الطلبة للقيام بمهام اقتصادية بما يتماشى مع احتياجات اقتصاد السوق في واقع طبقي في نظام مواطنة عرقي.

هذه الضغوطات المؤسساتية حولت من المدارس العربية إلى مصانع للعلامات. الطالب/ة والمعلم/ة والمدير/ة يقيم حسب العلامات في المواضيع الهامة لاقتصاد السوق كما تحددها وزارة التربية والتعليم. أَيضًا قسم من الأَهالي يقيمون أَنفسهم حسب “شهادة” الأبناء. أَصبح موضوع العلامات في بعض المؤسسات أهم من العملية التعليمية نفسها. هذا التقييم يحول بشكل تلقائي قسم كبير جدًّا من الطلبة ذوي التحصيل “غير الجيد” إلى “فاشلين” وبالتالي يعمق من حالة الاغتراب لديهم وهذا يساهم في إِقصاء شريحة كبيرة من الطلبة عن المجتمع الأَمر الذي له أَبعاده الهدّامة لمجتمعنا.

السؤال المركزي، ما العمل وكيف من الممكن أَنْ نغيِّرَ واقع التعليم العربي؟

التغيير السياسي (من فوق) بما يتلاءم مع مطالبنا وحقوقنا هو الهدف الأساسي. التغيير السياسي هو الذي ممكن أن يغير مناهج ومضامين ومكانة التعليم العربي والنضال في حقل التعليم هو جزء لا يتجزأ من النضال العام للجماهير العربية الفلسطينية في إِسرائيل. ولكن لا يمكن الانتظار وحصر عملنا بالمطالبة من المؤسَّسة والنضال لتغيير السياسات. لذلك لا بدَّ منَ العمل لتغيير الوضع من القاعدة وأَخذ مسؤوليَّةٍ على واقعنا، خصوصًا أَنَّه بإمكاننا فعل الكثير رغم المحدوديات والصعوبات المؤسساتية. لذلك لا بدّ من أَنْ نطلب من أنفسنا وأَنْ نقوم بكلِّ ما يمكن أن نقوم به كمجتمع للنهوض بالتعليم العربي والتأثير على مضامينه. عملية بناء القوة من القاعدة تحتاج إلى تحرير الوعي والعمل وستصب في تقوية نضالنا وموقفنا لإحداث التغيير السياسي المنشود.

دور المعلمين/ات

إِحدى الحلقات الأَساسيّة المؤثِّرة على التربيّة والتعليم هي المعلّم/ة. من هنا يأتي اهتمامنا بدور المعلِّمينَ العرب ومكانتهم. إذا كان من الصّعب حاليًا تغيير مناهج التعليم فيجب أَنْ لا نغفل الدور الذي ممكن أنْ يقوم به من يمررَّ مناهج التعليم. العملية التربوية هي ليست فقط كتب التدريس وإنَّما مجمل ما يحدث في المدرسة. هي كل ما يكتسبه الطالب من خلال وجوده في المدرسة. فتؤكد الكثير من الأبحاث أن منهاج التعليم غير الرسمي (الخفي) له أثر كبير على الطلاب وربما أكبر من منهاج التعليم المقرر. من هنا لا بد من الاهتمام بأمور عديدة في المدرسة وليس فقط مناهج التعليم وكتب التدريس ومنظومة الامتحانات. هذه الفكرة تشد الأنظار ليس إلى النص المقرر وإنما أَيضًا إلى كيفية تمريره وتعامل المدرس معه. للمعلم حيز كبير في الصف فهو من يقرر كيف يعلم وإلى حد معين (ربما كبير في بعض الأحيان) ماذا يعلم. إلى جانب ذلك هناك أفاق كثيره للتأثير في المدرسة متعلقة بالثقافة التنظيمية والأَنشطة الاجتماعية ونشاط الأهالي ومجلس الطلبة وما إِلى ذلك. من هنا لا بدَّ من الاستنتاج أَنَّ نوعية النشاطات والفعاليات والتفاعلات والمضامين في مركبات مختلفة للعملية التربوية تتأثَّر بشكل كبير بمن يمرِّرها والوعي الذي يحركه.

السؤال المركزيّ الّذي يجب أَنْ يشغلنا كمجتمع عربي فلسطيني هو أي معلم/ة نريد أن يربي أبناءنا؟ لمناقشة هذا السؤال أريدُ أنْ أعرض نوعَيْن من المعلِّمينَ والمعلِّمات (طبعًا الواقع مركَّب أَكثر وهناك أنواع مختلِفة ولكن لإبراز الفكرة من وراء المقال سأتركز في هذين النوعين).

النوع الأول هو المعلم المثقف والواعي والمنتم الذي يحمل رسالة وقضية إنسانية ووطنية ويرى بنفسه قائدًا في مجتمعه وقدوة لطلابه. وهو “المثقف العضوي” الذي يرفض الاضطهاد والظلم والعنصرية بأشكالها ويرى بالتعليم حقل لتغيير المجتمع للأفضل. هذا النوع من المعلِّمينَ يرى أَنَّ مهمته الأساسية هي التربية للقيم وتوعية الطلبة في مرحلة بلورة هويتهم وشخصيتهم وبناء الأدوات التحليلية والنقدية لديهم لفهم الواقع والاستعداد للمستقبل ويرفض حصر عمله في تمرير المادة المقررة وتحضير الطلبة للامتحانات (وهو يفعل ذلك)، ويرفض أن يكون أداة بيد السلطة (بمعناها الواسع). معلم من هذا النوع يتحلى بالمصداقية ولذلك النقد الذي يميز التربية النقدية التي يؤمن بها ليس موجهاً فقط ضد “الآخر” أَو السياسة العليا او الأَطراف الخارجية لمجتمعنا وانما ايضاً موجهة إلى الظواهر السلبية والمعيقة للتقدم في مجتمعنا. لذلك قد يجد نفسه هذا المعلم وحيداً يسبح ضد التيار. معلم/ة مثقف مع رسالة يعرف كيف يتعامل مع المواد والكتب والمضامين الإشكالية بل ويجعل منها فرصة تربوية مميَّزة للتربية للانتماء والهوية والنقد وتطوير الفكر.

أما النوع الثاني يتعامل مع التعليم كمهنة في مركزها تمرير المادة وتحضير الطلبة للامتحانات. هكذا هو يلبي التوقعات منه بكل ما يتعلق بالعلامات ونسب النجاح الاتية بالأساس من المؤسسة التي تحدد معايير النجاح والفشل حسب الأرقام والعلامات في الامتحانات المدرسية والقطرية والدولية، وأتية أيضاً من قسم كبير جدًا من الأهالي الذين يسعون بكل قوة لنجاح أبنائهم في التعليم الامر المفهوم والمتوقع بالذات في واقعنا كأقلية قومية مضطهدة ترى بالتعليم أُفقًا أَساسيًّا للبقاء والتطوّر في وطن الآباء والآجداد. معلم من هذا النوع ممكن أن يكون مبدعًا في طرق تمرير المواد وتحضير الطلبة للامتحانات وممكن أن يتعاطى مع قيم اجتماعية ومهارات حياتية هامة لكن يبتعد عن القضايا المركبة وبالذات تلك المعرفة كسياسية، مع العلم أن كل شيء في التعليم هو سياسة بما في ذلك قرارنا ماذا نُعلّم أَو ماذا لا نعلم.

كمجتمعٍ عربيٍّ فلسطينيٍّ يُعاني من الاضطهاد في بلاده نحتاج برأيي إلى معلمين/ات من النوع الأول. بناء معلمين/ات من هذا النوع يحتاج إلى جهد مجتمعي كبير في مركزة بناء وعي جديد حول الدور القيادي للمعلمين العرب في المجتمع وإلى تعويل مجتمعنا الكبير على المعلمين/ات في تنشئة الجيل الجديد الذي نريده منتميًا ومثقَّفًا وناقدًا وفعّالًا. هذه دعوة إلى جميع مؤسساتنا لتكريم المعلمين/ات العرب وتدعيمهم وإبراز دورهم الهام في المجتمع.