طلابنا الجامعيون الجُدد بين التحديات الموضوعية والمسؤولية الذاتية

· بعد البجروت والبسيخومتري وشروط القبول التعجيزية، يصل الطالب/ة العربي/ة إلى الجامعة أو الكلية ليتعلـّم بلغة أخرى، في أجواء جديدة، ووسط تحديات أكاديمية واجتماعية متنوّعة، ولكن في مقدور كل طالب/ة أن يأخذ ببعض النصائح، وبالأساس: أن يأخذ زمام المبادرة والمسؤولية!

لا يخفى على أحد أنّ طلابنا العرب يواجهون عراقيل متعدّدة ومتنوّعة في طريقهم للالتحاق بمؤسسات التعليم العالي، من التمييز والإهمال بحق جهاز التعليم العربي (فقط 30% من خرّيجي المدارس العربية يستوفون شروط القبول الدنيا، مقابل أكثر من 60% من نظرائهم اليهود)، إلى البسيخومتري (حيث الفجوة أكثر من مائة نقطة لم تتقلـَّص منذ 20 عامًا)، إلى تحديد الجيل والمقابلات الشخصية وغيرها من آليات التصنيف غير النزيهة، والتي لن نجافي الحقيقة ولن نتجنّى على أحد إذا ما جزمنا بأنها جزءٌ من سياسة عامة، تتشاطرها الحكومة ومجلس التعليم العالي ومعظم إدارات الجامعات والكليات، ترمي إلى عدم تخطي العرب نسبة الـ10% من الطلاب الجامعيين، مع أنهم يشكلون نحو 25% من شريحة الجيل هذه.

ومع ذلك، ينجح الآلاف من الطلاب العرب بتخطي كل هذه العقبات و”احتلال” مقعد جامعي، ليبدأ الجزء الأصعب من المشوار: الحياة الجامعية، على كل ما يعتريها من تحديات وصعوبات وضغوطات دراسية واجتماعية واقتصادية وسياسية. وتُعتبر السنة الدراسية الأولى الأصعب بالنسبة للطالب العربي، إذ تشير المعطيات إلى أنّ ما نسبته 30% إلى 40% من طلابنا يغيّرون موضوع التعليم أو الجامعة أو يتوقفون عن الدراسة لسببٍ أو آخر. سنتطرّق فيما يلي إلى بعض هذه التحديات ونسدي بعض النصائح لتذليلها وتخطيها:

  • · أولا –  اللغة

تتطلب الدراسة الأكاديمية مهارات لغوية في اللغتين العبرية والإنجليزية، وهما اللغتان الثالثة والرابعة بالنسبة للطالب العربي (بعد العربية المعيارية والمحكية). ويواجه الكثير من الطلاب صعوبات متباينة في الفهم والتعبير باللغة العبرية، سواء أفي المحاضرات أو في الوظائف الخطية. وبطبيعة الأمر فإنّ للقراءة والمطالعة الدور الأساسي في إثراء المعرفة بكل اللغات، لذا ننصح طلابنا الجدد بتكثيف القراءة باللغة العبرية صحافةً وكتبًا، بالطبع دون إهمال اللغة العربية لأنّ التمكّن من لغة الأم هو مفتاح إجادة اللغات الأخرى.

في كثير من الأحيان تتوافر كتب ومواقع تجمع المصطلحات العلمية باللغتين العبرية والإنجليزية. ومن الجدير الإشارة هنا إلى أنّ مركز “حراك” يعمل على وضع كرّاسة تضمّ المصطلحات العلمية في مختلف المجالات مع ترجمتها للغة العربية للتسهيل على طلابنا العرب، نأمل أن تصدر خلال العام القادم 2013.

كما ننصح طلابنا بالسؤال والاستفسار الفوري من المحاضِر/ة أو المُعيد/ة عن أي كلمة أو مفردة لا يفهمونها. ولا مكان للخجل هنا لأننا لا نتعلـّم بلغتنا ومن حقنا استيضاح كلمة غير مفهومة أو طلب إعادة الشرح مرة واثنتين وثلاث.

  • · ثانيًا –  النضج

يصل معظم طلابنا إلى مؤسسات التعليم العالي في سنّ صغيرة نسبيًا (دون العشرين وأحيانًا دون التاسعة عشرة) مع تجربة حياتية ضئيلة ودون النضج النفسي الكافي اللازم، بينما يصل الطالب اليهودي بعد الخدمة في الجيش وتجربة ما في عالم العمل. لذا نجد الطالب اليهودي أكثر وعيًا لحقوقه وأكثر “وقاحة” من زميله العربي في المطالبة بها. أما الطالب العربي، بسبب حاجز اللغة وصغر السن ومجيئه من مجتمع تقليدي وغيرها من مظاهر “الصدمة الحضارية”، فغالبًا ما نجده خجولا أكثر من اللزوم. وليس المطلوب منّا طبعًا أن نتبنى “الوقاحة الإسرائيلية” أو أن نتخلى عن آداب التعامل والحديث، وإنما أن نصرّ على حقنا في استيضاح كلمة ما، أمر ما، أو في طلب تأجيل في موعد تقديم الوظيفة أو في التعامل مع الطاقم الإداري، وألا نصمت أو نطأطئ رأسنا إذا ما اشتممنا رائحة تعامل عنصري أو غير موضوعي.

وعليه فمن الأهمية بمكان التزوّد بكل الأمور المطلوبة، من مواد القرطاسية وأقلام “الماركر” والحاسوب المتنقل، والأهم من هذا كلـّه: بالمثابرة والعزم على النجاح وعدم الاستسلام للصعاب. فكل شيء قابل للتصليح والتعديل إذا ما استدركناه في الوقت المناسب وعالجناه بالشكل المناسب. وهنا يجدر التنويه إلى دور الأهل، والذي يجب أن يكون داعمًا ومُتفهمًا، دون الإفراط في الضغط لكن دون الإفراط في الدلال أيضًا.

ونشير هنا إلى أنّ أحد مطالبنا في مركز “حراك” تجاه جهاز التعليم العالي هو دمج العرب ليس فقط في الكوادر الأكاديمية، بل أيضًا في الكوادر الإدارية وخاصة تلك ذات الاحتكاك المباشر مع الطلاب، وذلك للتخفيف من حدّة الاغتراب الذي يعانيه طلابنا حين لا يجدون من يتحدّث لغتهم ويعي ثقافتهم.

  • · ثالثًا –  الكتابة الأكاديمية

يعاني جزء كبير من طلابنا صعوبةً ملحوظة في الكتابة الأكاديمية، والتي تتطلب التفكير النقدي والمجرّد. وهي مهارات لا ينمّيها جهاز التعليم العربي، لأنه غالبًا ما يعتمد على التلقين والحفظ لا على التفكير والتحليل والنقد. ونجد أحيانًا طلابًا كانوا متفوّقين في المدرسة وحصّلوا علامات مرتفعة في امتحانات البجروت والبسيخومتري، ولكنهم يتعثرون في وظيفتهم الأكاديمية الأولى وكثيرًا ما يؤدي هذا إلى تزعزع ثقتهم بأنفسهم. ويُشار  في الصدد إلى إضافة “مهمة الكتابة” في امتحان البسيخومتري مؤخرًا بناءً على طلب الجامعات، وذلك لفحص مهارة الكتابة لدى الطلاب.

وتتطلب الكتابة الأكاديمية أمورًا مثل: الكتابة الموضوعية والواضحة والمترابطة (يُنصح بألا تتجاوز كل جملة العشرين كلمة)؛ تجنّب الإطالة والإطناب والتكرار والانجرار إلى مواضيع جانبية؛ طرح أكثر من نظرية أو وجهة نظر وتفسير الادعاءات بأكثر من طريقة؛ التمييز بين الحقائق والآراء؛ التجرّد وعدم إقحام أنفسكم في الموضوع.

  • · رابعًا –  التكافل والتعاضد

من المهم بناء شبكة علاقات صحية مع الزملاء العرب واليهود، وتشبيك المعلومات في حال الغياب عن المحاضرة التي شرح فيها الأستاذ كيفية تقديم الوظيفة، أو المادة المطلوب قراءتها للمحاضرة القادمة.

“التعاون أساس النجاح”؛ هذا صحيح حين يتعلّق الأمر بالتحضير المشترك والمراجعات أو الإعداد لمهام جماعية، إلا أنّ المبالغة فيه – لدرجة الاعتماد التام على الآخرين – ظاهرة غير صحية، وخصوصًا حين يتعلـّق الأمر بعدم النزاهة في الوظائف.

ويصحّ هذا بالنسبة لطريقة الدراسة. فهناك طلاب يدرسون بمفردهم وآخرون يفضّلون المذاكرة الجماعية. ويعود هذا إلى ميول كل طالب/ة، شريطة التكافؤ في المستوى التعليمي وعدم الاعتماد المطلق على الآخرين أو على الدراسة الجماعية فقط.

ومن المهم أيضًا التعرّف إلى طلاب السنة الثانية والثالثة والإفادة من تجربتهم الأكاديمية والحياتية في التسجيل والدراسة والبحث عن المصادر والتعامل مع المحاضرين والموظفين الإداريين وغيرها من الأمور، والاستعانة بالمواد والتلخيصات التي في حوزتهم من أعوام سابقة، مع ضرورة الانتباه إلى التغييرات التي قد تطرأ على المنهج الدراسي (السيلابوس) من سنة إلى أخرى.

  • · خامسًا –  استغلال الخدمات

تقدّم مؤسسات التعليم العالي بوحداتها وأقسامها المختلفة خدمات متعدّدة، لا سيما خدمات الاستشارة الأكاديمية والتي عادةً ما تقدَّم عبر مكتب عميد/ة الطلبة. ويتوجب على طلابنا الاستفسار عنها واستغلالها، خصوصًا وأنّ جزءًا منها مخصّص للطلاب العرب وملاءم، بشكل أو بآخر، لاحتياجاتهم.

كما ننصح طلابنا باستغلال “ساعات الاستقبال” لدى المحاضرين والمعيدين (يُعلن عنها في الموقع و/أو في لوحة الإعلانات) لطرح الأسئلة أو استيضاح أمور غير مفهومة.

وكذلك الأمر بالنسبة للمنح وخدمات السكن. وهنا يجدر التنويه إلى أنّ كثيرًا من الجامعات والكليات تستجلب ملايين الدولارات سنويًا من الخارج على ظهور الطلاب العرب وتضطر لتفعيل برامج خاصة أو تخصيص موارد مادية وبشرية للطلاب العرب، إلا أنّها لا تصرف كل الميزانيات المخصّصة لذلك بحجة عدم تجاوب الطلاب العرب.

  • · سادسًا –  الاتحاد قوة

نتيجة للأزمة الراهنة في الحركة الطلابية في السنوات الخمس الأخيرة، تعطّل عمل معظم لجان الطلاب العرب في الجامعات والكليات، وتراجع دورها ليس على الصعيد السياسي فحسب بل على المستوى الخدماتي الأكاديمي اليومي.

التجربة التاريخية تؤكد أنّ اتحاد المظلومين يحول دون استفراد الظالم بهم، وفي حالتنا، فإنّ اتحاد الطلاب العرب، كأقلية قومية وثقافية مضطهدة، يعزّز من احتمالات مواجهة سياسة التمييز ومن إمكانية تحقيق إنجازات ملموسة. فمعظم حقوق ومكتسبات الطلاب العرب – كزيادة الوقت في الامتحانات وتعيين مستشارات أكاديميات عربيات وتحصيل منح للسكن وغيرها من الأمور – تحقّق بعد نضال وحدوي خاضه الطلاب العرب بواسطة لجان الطلاب العرب. فمهما اجتهد كل حزب وحاول سدّ الفراغ، ومهما ضخّ من موارد، يبقى أنّ إدارة الجامعة تتعامل بجدية أكبر حين تقف لها بالمرصاد لجنة طلاب عرب منتخبة، وليس أحزاب متضاربة ومتناحرة.

ومن هنا ندعو جميع القوى السياسية على الساحة الطلابية إلى استئناف الحوار الطلابي الذي كان قد بوشر قبل سنتين برعاية لجنة المتابعة العليا لشؤون الجماهير العربية واللجنة القطرية لرؤساء السلطات المحلية العربية، بغية إخراج الحركة الطلابية من “موتها السريريّ”، إن جاز التعبير، والتأسيس لمرحلة جديدة في مقدّمتها إجراء انتخابات شرعية ودستورية للجان الطلاب العرب والاتحاد القطري للطلاب الجامعيين العرب، وإعادة الحركة الطلابية إلى سابق عهدها وإلى الدور الريادي الذي اضطلعت به على مدار عشرات السنين.

  • · سابعًا –  المسؤولية

من بالغ الأهمية أن يتحلى الطالب/ة بحسّ المسؤولية، ويدرك أنّ الانتقال من المرحلة الثانوية إلى المرحلة الجامعية ينطوي على الكثير من التحديات، والكثير من المغريات أيضًا.

فالأجواء في المدرسة حميمة وأليفة، والمعلمون يعرفون الطلاب وذويهم شخصيًا. أما في الجامعة فلا أحد يعرف أحدًا، وإذا ما حدث قصورٌ ما فسيتحمّل الطالب/ة المسؤولية بمفرده/ا، وإذا ما تغيّب الطالب/ة عن المحاضرة فلن يؤنبه الأستاذ ولن يعرف ذووه بهذا، وإذا ما تغيّر موعد الامتحان أو الوظيفة فلن يهتم أحد بتبليغ الطالب/ة وتذكيره/ا، بل يتوجب على الطالب/ة الحفاظ على اليقظة الدائمة والابتعاد عن اللامبالاة والاتكالية.

وفي هذا السياق نشدّد على ضرورة تقسيم الوقت بشكل ناجع، وتخصيص الوقت الكافي للدراسة والتحضير، وكذلك للرياضة والترفيه والنشاطات الاجتماعية.

كثيرًا ما ينصح الأهالي أبناءهم بالابتعاد عن النشاطات السياسية في الجامعة، أو عدم العمل، أو عدم السكن خارج البيت. ولكن في كثير من الأحيان يصير الممنوع مرغوبًا. فالمطلوب هو أن يشعر الطالب بأنّ الحرية النسبية التي تتيحها الحياة الجامعية يجب أن تكون مقرونة بالمسؤولية، لأنّ هدفنا هو النجاح وتخطي العقبات خصوصًا في السنة الأولى. وكما قال القائد الخالد توفيق زيّاد، فإنّ كل شهادة جامعية يحصّلها طلابنا هي شوكة في حلق المشروع الصهيوني الذي أرادنا حطابين وسقاة مياه. ونضيف نحن: إنها شوكة في حلق مشروع “الترانسفير البطيء” الرامي إلى تضييق الخناق علينا وعلى تطوّرنا الحرّ الكريم في وطننا.

  • · إتصلوا بمركز حراك

وأخيرًا، نتمنى لجميع طلابنا النجاح والتميّز والتفوق في مشوارهم الأكاديمي وفي حياتهم الجامعية عمومًا. وندعو أي طالب/ة يواجه أية مشكلة للتوجّه إلى مركز حراك، على هاتف رقم 046466566 أو البريد الإلكتروني hirak.center@gmail.com أو عبر صفحة المركز على الفيسبوك وعنوانها (مركز حراك Hirak Center).

بقلم: رجا زعاترة (مدير مركز “حراك” لدعم التعليم العالي في المجتمع العربي)