نحو بناء تصوّر مستقبلي للتعليم العالي في المجتمع العربي/ نجمة علي

التعليم العالي أداة حاسمة في تطوّر الشعوب والمجتمعات في العالم، لما فيه من تهيئة مستقبلية للرأسمال البشري، ألا وهو الأفراد. إنّ الاستثمار في العامل البشري وتهيئته ليكون فردًا فعالاً ومعطاءً لمجتمعه والسعي لبناء طاقات وقدرات محلية ترتكز على العلم والنقد، هو الضمان الوحيد للارتقاء بمجتمعنا والتقدم به إلى أمام، وخصوصًا في ظل التحديات السياسية والثقافية والاجتماعية والاقتصادية التي تشهدها الجماهير العربية الفلسطينية في البلاد في مسيرتها من أجل إحقاق حقوقها القومية والمدنية، الفردية والجماعية.

تاريخيًا، لعب الأكاديميون العرب الفلسطينيون في البلاد دورًا هامًا ومصيريًا في تطوّر المجتمع، ليس فقط من الناحية العلمية والمهنية، بل شكّلوا أيضًا عنصرًا أساسيًا في الحراك السياسي والاجتماعي والثقافي وفي صيرورتنا الجماعية، وشكّلوا قوة دافعة نحو التحدّي والتغيير السياسي في علاقة الأقلية العربية الفلسطينية بالدولة وبالأكثرية اليهودية، وكذلك في التغيير الاجتماعي داخل المجتمع العربي.

ومنذ أوائل التسعينيّات تشهد خارطة التعليم العالي تغيّرات كمية ونوعية ملحوظة، لا سيما مع تزايد أعداد الطلاب العرب في الجامعات، وظهور الكليات الأكاديمية التي تستوعب آلاف الطالبات الطلاب العرب سنويًا، واتساع ظاهرة اللجوء للدراسة في الخارج وخصوصًا التدفق على الجامعات الأردنية نتيجة التمييز البنيوي المباشر وغير المباشر في شروط القبول وفي الخدمات الأكاديمية والاجتماعية، وغيرها من التغيّرات الملحوظة والتي تلقي بظلالها على واقعنا القومي واليومي.

كما تبرز أمامنا تحديّات متنوّعة، منها الاقتصادي، أي كيفية مراكمة الكمي بغية تحويله إلى نوعي، ومنها المجتمعي، أي طبيعة وماهية الدور الذي نتوقع من الطلاب والخرّيجين والأكاديميين العرب أخذه على عاتقهم والانحياز والعطاء لقضايا شعبهم ومجتمعهم، بما في ذلك دورهم في تغيير البنى الاجتماعية السائدة.

إن هذا الواقع، بكل ما في ثناياه وتفاصيله من تحديات وفرص، يعكس الحاجة الماسّة إلى وضع مخططات جماعية استراتيجية، من أجل وممارسة الحق في التعليم العالي، والذي يشمل توسيع منالية التعليم العالي والبحث العلمي وتحسين نوعيتهما ودورهما، كما يشمل الحق في إقامة مؤسسات أكاديمية في مدن وقرى عربية، إلى جانب المساواة الجوهرية التامة للطلاب والمحاضرين والعاملين العرب في جميع مؤسسات التعليم العالي في البلاد.

وتفيد تجارب شعوب وأقليات أخرى في العالم أنّ التغيير ممكن، وأنّه يتطلب تكاتف أبناء وبنات المجموعة المضطهدة والمهمّشة وأخذهم لزمام المبادرة. نعرف أنّ المشوار طويل ومضن، ولكننا نعرف أيضًا أن لا سبيل أمامنا سوى أن نخطو الخطوة الأولى، بوحدة وإصرار.

لقد آن الأوان لأن تقوم الهيئات والمؤسسات من مختلف التوجهات والمدارس والمشارب الفكرية والسياسية، وتأخذ زمام المبادرة لبلورة الرؤى والتصوّرات المستقبلية والإستراتيجية للتعليم العالي على شتى أوجهه وتفرّعاته، بما يعبّر عن تطلعاتنا الجماعية ويشكّل نبراسًا لمختلف الجهات العاملة في مجال التعليم العالي في المجتمع العربي الفلسطيني في البلاد.

(*) طالبة دكتوراه في قسم العلوم السياسية بالجامعة العبرية، والمركّزة الأكاديمية لمشروع التصوّر المستقبلي في مركز “حراك” لدعم التعليم العالي في المجتمع العربي