وثيقة: دراسات نقدية لمناهج اللغة العربية والتاريخ والجغرافيا والمدنيات

عقد المجلس التربوي العربي، يوم السبت 16.3.2013، مؤتمره الثاني في مدينة الناصرة، تحت عنوان “المناهج الرسمية في التعليم العربي: دراسات نقدية وسياسات بديلة”، عُرضت خلال أربع أوراق بحثية، تستند إلى نتائج دراسات علمية أجراها باحثون متخصصون على مناهج تعليم أربعة مواضيع في المدارس العربية.

وعرضت الدكتورة كوثر جابر–قسوم نتائج دراستها لمنهاج اللغة العربية مع تركيز على الأدب العربي، وعقب عليها الدكتور نبيه القاسم. وعرض البروفيسور مصطفى كبها نتائج دراسته لمنهاج التاريخ، وعقب عليه الدكتور جوني منصور. وعرض البروفيسور راسم خمايسي نتائج دراسته لمنهاج الجغرافيا، وعقب عليه الدكتور سعيد سليمان. وعرض الدكتور مهند مصطفى نتائج دراسته  لمنهاج المدنيات، وعقب عليه الأستاذ شرف حسان.

وتحدّث في الافتتاح كلٌ من البروفيسور محمود ميعاري، رئيس المجلس التربوي العربي، والمهندس رامز جرايسي، رئيس اللجنة القطرية لرؤساء السلطات المحلية العربية، والسيد محمد زيدان، رئيس لجنة المتابعة العليا لقضايا الجماهير العربية. ولخّصت المؤتمر السيدة كوكب خوري، مركّزة المجلس التربوي العربي.

وننشر فيما يلي ملخّصات الدراسات الأربع للمناهج الأربعة.

منهاج اللغة العربية

تحلل دكتورة كوثر جابر – قسوم في دراستها محتوى منهاج الأدب العربيّ، المقرّ من وزارة التربية والتعليم لكافّة مراحل التعليم في الوسط العربيّ، وتلاحظ أن هنالك إرغامات سياسية وعوامل بيداغوغية  تتحكم في منهاج اللغة العربيّة في المراحل المختلفة. ففي المرحلة الابتدائيّة يُلاحَظ نقل مبنى منهاج اللغة العبريّة في المدارس اليهوديّة وترجمة مضامينه ونقل بعض النصوص وموادّ التدريس الخاصّة به. كذلك فإن أهداف المنهاج تركز على الاهتمام بالمعرفة اللغويّة بينما أسقطت بقيّة جوانب شخصيّة المتعلّم الوجدانيّة والاجتماعيّة والوطنيّة، والتي لها أكبر الأثر على تربيته وإعداده المستقبليّ.

ويتميز منهاج الأدب للمرحلة الإعدادية بقدمه وعدم ملاءمته للعصر وبغياب رموز الأدب الفلسطيني، أو ما يسمى “أدب النخبة” أمثال: محمود درويش، غسّان كنفاني، سميح القاسم، عبد الرحيم محمود، توفيق زيّاد، سالم جبران، إميل حبيبي، وغيرهم الكثير. ثمّ إنّ ما اختير للأدباء المذكورين في المنهاج لا يعكس أدبهم بصورة صحيحة في بعض الحالات؛ فالثيمات المركزيّة للنصوص  خالية من الأبعاد التاريخيّة أو الأيديولوجيّة ولا  تتطرق إلى ما نسمّيه “الأدب الملتزم”، الذي يعتبر ميزة هامّة في الأدب الفلسطينيّ في كشفه عن هموم الإنسان الفلسطينيّ وتطلّعاته والرواية الخاصّة به. وتتحكم الإرغامات السياسيّة والعوامل البيداغوغيّة أيضا في منهاج الأدب للمرحلة الثانويّة. وينعكس ذلك في حذف نصوص أدبيّة من المنهاج الأصليّ لأسباب سياسيّة. فقد تعرض هذا المنهاج إلى كثير من التعديلات في العقد الاخير، ومن ضمنها إسقاط  نصوص الأديبين الفلسطينيّين فدوى طوقان وغسّان كنفاني من القسم الإلزاميّ في المنهاج بسبب “دور الأديبين في المقاومة الفلسطينية”. كما ينعكس ذلك بوجود خلل في بناء مجموعات الاختيار واستراتيجيتها. فتشكيل إمكانيّات الاختيار بالطريقة التي وردت في المنهاج يجعل انكشاف الطلاب على شعراء وكتّاب مهمّين محدودًا ولا يعدّ كافيًا.

وعند مقارنتها منهاج اللغة العربية في المدارس العربية مع منهاج اللغة العبرية في المدارس اليهودية، وجدت الباحثة أن منهاج اللغة العربية يرتكز بشكل عام على نقل شبه تام من منهاج اللغة العبرية. إلا أن منهاج اللغة العربية لا يثبت جميع المحاور الواردة في منهاج اللغة العبريّة من حيث التشديد على البعد العربيّ والقوميّ والوطنيّ في اختيار نصوص الأدب. فعلى عكس منهاج اللغة العبرية الذي يهدف إلى ترسيخ القيم اليهودية والصهيونية والقومية، فإن المنهاج العربي لا يشير إلى تدريس اللغة العربية كرافعة لتعزيز الهوية الجماعية والقيم الوطنية والقومية للطالب العربي. ومن أهم النتائج التي توصلت إليها الباحثة في عذه الدراسة هي أن مناهج اللغة العربيّة في المدارس العربيّة، والأهداف التعليميّة والخطط والبرامج الدراسيّة وكتب التدريس المنبثقة عنها، تعكس بصورة جليّة سياسة وزارة التربية والتعليم في إسرائيل في سعيها إلى إفراغ اللغة العربيّة، بل التعليم العربيّ ككلّ، من مقوّماته القوميّة والهويّاتيّة والأيديولوجيّة، وتمييع عمليّة تدريس اللغة العربيّة في حصر دورها وقيمتها في الجانب الوظيفيّ والتواصليّ فقط.

منهاج التاريخ

يحلل بروفسور مصطفى كبها نماذج من منهاج التاريخ في المدارس العربية. ويبدأ بتحليل المنهاج المؤقت لعام 1952، المعد للمدارس الابتدائية العربية، ويلاحظ أن الطالب العربي يتعلم، بموجب هذا المنهاج، عن تاريخه عدداً أقل من المصطلحات التي يتعلمها عن التاريخ العام أو تاريخ اليهود. ثم يحلل الباحث المنهاج المعدل للعام 1976، الذي وُضع على أساس منهاج التاريخ للمدارس العبرية الذي تم وضعه عام 1970، وذلك مع إدخال بعض التعديلات، ويلاحظ أن المنهاج تبنى المصطلحات المجسدة لوجهة النظر الصهيونية. فعلى مر العصور المختلفة يتحدث المنهاج عن ” أرض إسرائيل ” و”صهيون “  كوصف لفلسطين، وذلك من خلال فصل مفتعل بين سوريا وفلسطين. ولا يختلف كثيرا منهاج 1982 عن منهاج 1976، وبخاصة فيما يتعلق بالتوجيهات والسياسات العامة. ولكن ملفت للنظر في هذا المنهاج أن تاريخ الشعب اليهودي وُضع على نفس القدر الذي وُضع عليه تاريخ العرب والشعوب الإسلامية، مع العلم أن هذا لا يجري في المنهاج المخصص للطلاب اليهود، والذي يخصص فيه للتاريخ العربي والإسلامي حيّز ضئيل جدا. كما جاء في المنهاج “تنمية الوعي بالمصير المشترك للعرب واليهود في أرض إسرائيل، وفي الشرق الأدنى، وبوحدة العرب على اختلاف أقطارهم، واليهود على مختلف طوائفهم وشتاتهم”. ومن الجدير ذكره أن “المصير المشترك للعرب واليهود” لا ذكر له في المنهاج المخصص للطلاب اليهود.

ويحلل الباحث منهاج المرحلة الثانوية للعام 1999، فيرى أنه أكثر مناهج التاريخ انفتاحا فيما يتعلق بالهوية الفلسطينية، ربما بسبب أجواء المصالحة التي سادت في تلك الفترة. فقد جاء في المقدمة لهذا المنهاج أنه يجب ” إدخال موضوع تاريخ المجتمع العربي الفلسطيني ضمن موضوع الشرق الأوسط في العصر الحديث”. وفي تفصيل الأهداف جاء “تعميق شعور التلميذ العربي بالانتماء إلى الشعب العربي الفلسطيني، وإلى الأمة العربية وحضارتها، وإلى دولة إسرائيل ومواطنيها الإسرائيليين”. مع ذلك يُؤخذ على هذا المنهاج تهميشه لموضوع الحركة القومية العربية ووضعها في إطار المواد الاختيارية. ويلاحظ الباحث أن هذا الانفتاح النسبي على الهوية الفلسطينية لم يستمر طويلا. فجاء المنهاج المعدل لعام 2009، والموجه للمرحلتين الاعدادية والثانوية في المدارس العربية، مُعتمدا بالأساس على منهاج عام 1976. ويرى الباحث أن المنهاج الجديد شهد تراجعا معينا في كل ما يتعلق بتوظيف المصطلحات واختيار الالفاظ الإشكالية التي تم تجاوزها في مناهج سابقة وبخاصة منهاج عام 1999. فعند وصف الحروب الصليبية في فلسطين يستعمل المنهاح المصطلح الفضفاض “الأراضي المقدسة” بدل استعمال كلمة “فلسطين” في مناهج سابقة.

وفي نهاية الدراسة يخلص الباحث إلى نتيجة مفادها أن هنالك بونا واسعا بين المضامين  الكثيرة والمفصلة التي يتعلمها الطالب العربي عن تاريخ الشعب اليهودي وبين ما يتعلمه الطلاب اليهود عن التاريخ العربي والإسلامي  من مواد ضئيلة تعلم أساسا حسب منظور الرواية التاريخية الصهيونية . أما الأمر الأكثر غرابة فهو الغياب الملحوظ لمضامين تتعلق بتاريخ العرب  الفلسطينيين  في إسرائيل أنفسهم وبمركبات هويتهم، أو بالهوية الفلسطينية والعربية العامة .

منهاج الجغرافيا

يقدم بروفسور راسم خمايسي إطارا معرفيا لموضوع الجغرافيا، تطوره وعلاقته بالعلوم الأخرى، ويميز فيه بين جغرافية إنكار وجغرافية توافق. ويقصد بجغرافية الإنكار حالة يكون  فيها تجاهل وإنكار لوجود جماعة سكانية أخري تعيش في نفس المجال الجغرافي ولها انتماء وارتباط ثقافي، اجتماعي، سياسي وتراثي، وذلك للتفرد في امتلاك الحيز والمجال الجغرافي. أما جغرافية التوافق فتعنى حالة يكون فيها إقرار واعتراف بوجود جماعة سكانية أخرى تعيش في نفس المجال الجغرافي أو لها ارتباط وعلاقة بهذا المجال، ويمكن التعايش بين الجماعتين بواسطة التوافق على منظومة من القيم وعلاقات القوة وتقسيم الموارد.

ثم يتناول الباحث منهاج تعليم الجغرافيا العبري في عهد الانتداب البريطاني، الذي وُضع من قبل معلمين يهود، تحت اسم “الوطن ومعرفة البلاد”. ولا يزال هذا المنهاج يُشكل جزءا مركزيا في أهداف ومضامين ورسالة تعلم الجغرافيا في المدارس حتى بعد اقامة دولة إسرائيل. وركز هذا المنهاج على بناء الهوية اليهودية وارتباط اليهود بما يسمونه “أرض إسرائيل”. وبعد قيام إسرائيل أُجريت على المنهاج عدة تعديلات، أُجري آخرها في العقد الأخير. وبموجب هذا التعديل أصبح منهاج الجغرافيا للمدارس الابتدائية يسمى بالعبرية “موطن، مجتمع ومواطنة” وترجم الى العربية تحت عنوان “الموطن والمجتمع والمدنيات”. وفي عام 2008 أقرت وزارة التربية والتعليم منهاج المدارس الثانوية، وأطلقت عليه أسم “الجغرافيا وتطوير البيئة”. وجاء في أهداف هذا المنهاج “تعزيز الانتماء والشعور بالانتماء إلى البلاد بمختلف معالمها ومواقعها التراثية والتاريخية والأثرية والدينية”. كما حدد المنهاج خمس وحدات تعليمية منها ثلاث وحدات إلزامية وهي: جغرافية “ارض إسرائيل”، جغرافية “الشرق الأوسط”، ووحدة تحليل الظواهر الأساسية الجغرافية الطبيعية والبشرية. ويرى الكاتب أن جغرافية الإنكار لا تزال مسيطرة، وأن المنهاج وكتب التدريس يسعيان إلى خلق مواطن عربي – إسرائيلي، صالح، مهجن وأليف، قابل ومتعايش مع الرواية والخطاب الصهيونيين.

يعرض الباحث بعض الإشكاليات في منهاج الجغرافيا، أهمها: (1) إنكار الجغرافيا الفلسطينية والتركيز على “ارض إسرائيل” أو إسرائيل وتجنب ذكر حدود دولة إسرائيل، او ذكر الخط الاخضر، كذلك التركيز على الأسماء العبرية للمواقع مثل “عيمك يزراعيل” بدل مرج ابن عامر، وصحراء يهودا بدل برية الخليل. (2) فرض الخطاب اليهودي الصهيوني على الطلاب العرب، حيث تُفتتح الكتب بقطع من التوراة أو مقاطع من أشعار قومية يهودية او صور تمثل اليهودي الصهيوني “الطلائعي” الذي جاء “لينقذ البلاد ويطورها”، وتصور العربي بأنه متخلف ومُهَدِد. لقد تم فرض هذا الخطاب على الطلاب العرب مع محاولة محدودة  لأخذ الخصوصية العربية بعين الاعتبار. ويتوصل الباحث في دراسته إلى خلاصة وهي أن منهاج الجغرافيا ينسجم أكثر مع جغرافية الإنكار. فهو يهدف إلى محو المشهد العربي الفلسطيني، إنكار وجوده وإحلال جغرافيا عبرية صهيونية مطورة ومُأدلجة مع رسم خارطة عبرية بدل الخارطة العربية. لذلك فان منهاج الجغرافيا لم يذكر اسم البلاد والمواقع باللغة العربية، وتجاهل القرى العربية المدمرة والمهجرة عام 1948. وأخيرا يوصي الكاتب بتعديل الأهداف والمنهاج لخلق منهاج جغرافي توافقي تشاركي.

منهاج المدنيات

يبدأ د. مهند مصطفى دراسته بمدخل يتناول فيه نظريات وتوجهات لعدد من المفكرين، تتعلق بالتربية المدنية والتربية المواطنية. إذ تشير التربية المدنية إلى التربية للتعرف على نظام الحكم ومؤسسات الدولة وحقوق الأفراد، بينما تشير التربية المواطنية، إلى جانب التعرف على النظام السياسي، إلى تشجيع المشاركة في الحياة المدنية والمجتمع المدني.  ثم ينتقل لتحليل منهاج المدنيات في إسرائيل، ويرى أن وثيقة الاستقلال، التي تنسجم مع تعريف إسرائيل كدولة يهودية وديمقراطية،  تشكل الإطار الأيديولوجي لهذا المنهاج. فيوضح المرشد لتدريس منهاج المدنيات، الصادر عام 2009،  أن على الطلاب أن يتعرفوا من خلال وثيقة الاستقلال، على أن دولة إسرائيل هي دولة اليهود داخل إسرائيل وخارج إسرائيل.

لقد مرّ منهاج المدنيات بتحوّلات كثيرة. ففي العقود الاولى لقيام الدولة ركز المنهاج على تعزيز الشّعور بالانتماء إلى المجتمع ألإسرائيلي والتعرف على الديمقراطية ونظام الحكم في إسرائيل. وكانت عملية دمج المهاجرين اليهود في صلب أهداف التربية المدنية. وبشكل عام كان المنهاج متوافقا مع الرواية الصهيونية. وفي العام 1984، تم صياغة أهداف جديدة لتعليم المدنيات في المدارس الثانوية العربية، من ضمنها التعريف بأن إسرائيل هي دولة يهودية- ديمقراطية، تضم أقليات يعتبرها المنهاج للمرة الأولى “أقليات قومية”، لكن دون الاعتراف بحقوقها القومية والسياسية على البلاد. وإلى جانب التعرف على الروابط بين دولة إسرائيل والشعب اليهودي، تناول المنهاج، للمرة الأولى أيضا، ضرورة التعرف على الروابط بين المواطنين العرب في إسرائيل والشعوب العربية. وفي المقابل تجاهل المنهاج التفاوت بين اليهود والعرب وقضية التمييز المدني وواقع اعتبار العرب كمواطنين من الدرجة الثانية. في عام 2009 صدر كتاب “مرشد لتدريس موضوع المدنيات”، تم فيه تحديد أهداف تعليمية عامة، وأهداف في مجال المهارات. وعلى رأس الأهداف العامة: (1) تنمية الصلة والانتماء والالتزام لدولة إسرائيل. (2) الاعتراف بكون إسرائيل دولة يهودية وديمقراطية. وهكذا، فإن منهاج المدنيات، رغم التطور الذي حصل عليه، لا يزال يُعلّم على الانتماء لإسرائيل كدولة يهوديّة وديمقراطيّة، ما يعني أنه يشكل حلقة من حلقات التربية الوطنية في صفوف الطلاب اليهود، وجزء من فرض الرؤية اليهودية على الطلاب العرب، ما يؤدي إلى وجود غربة بين الطلاب والمعلمين العرب وبين المنهاج. كل هذا في الوقت الذي يتطوّر فيه هذا الموضوع في العالم ليس فقط نحو تأكيد المواطنة المشتركة والمتساويّة، بل أيضا نحو خلق وعي سياسي لدى الطّلاب بأهميّة المشاركة السّياسيّة والتّأثير في عملية  صنع القرار السياسي.

وبالنسبة للهوية، فقد تناول المنهاج المواطنين العرب في العقود الأولى من خلال انتماءاتهم الدينية وليس القومية أو الوطنية. وعلى الرغم من أن المنهاج اليوم يعترف بوجود أقلية عربية في إسرائيل، إلا أنه لا يعترف بها أقلية قومية لها حقوق جماعية، قوميّة وسياسيّة، على البلاد. كذلك فإن المنهاج يعمل على تغييب العلاقة الوطنية بين العرب داخل الخط الأخضر والعرب في الأراضي المحتلة عام 1967، دون ذكر للانتماء الوطني المشترك بين الجماعتين.