الإدارة الذاتية التربوية: رؤية حقوقية/ د. يوسف جبارين

د. يوسف جبارين

د. يوسف جبارين

ينعقد يوم السبت (22.1.2011) في الناصرة المؤتمر الأول للمجلس التربوي العربي، والذي تأسس في الصيف الأخير كمجلس مهني يسعى إلى نقد السياسات التربوية الرسمية وطرح البدائل التربوية والوطنية لها.

إن مشروع إقامة المجلس التربوي العربي، الذي تم تداوله لسنوات طويلة وخرج إلى حيز التنفيذ مؤخرًا بمباركة ودعم الهيئات الجماعية للجماهير العربية، يحمل تحديًا رمزيًا وجماهيريًا هامًا لسياسات وزارة المعارف، وآمل أن يكون له الأثر الإيجابي على التعليم العربي في السنوات القادمة. يتألف المجلس من ثلاثين أكاديميًا واختصاصيًا فلسطينيًا يدرّسون في جامعات إسرائيلية وفلسطينية، وهو إطار يجسّد الحق الجماعي لمجتمعنا في الإدارة الذاتية في شؤون التربية والتعليم ، ومن أبرز أهدافه تعزيز الهوية العربية الفلسطينية في ظل سياسة بث العدمية القومية وصهينة المناهج التعليمية من طرف وزارة التربية.

يؤسس التعليم لكل تطور اجتماعي واقتصادي، ويشكل مدماكًا أساسيًا في عملية بناء مجتمع متساو في الحقوق والفرص. لذا يُعتبر التمييز في ممارسة الحق في التعليم من أحد العوامل الرئيسية لعدم المساواة في الدخل والصحة والرفاه الاجتماعي وغيرها من نواح مركزية في الحياة.

تاريخيًا، يمكننا النظر إلى موضوع التمييز والإقصاء ضد التعليم العربي في إسرائيل من خلال أربعة جوانب رئيسية: أولا – التمييز المتعلق برصد الميزانيات العامة (المساواة في توزيعة الميزانيات الخاصة بالتعليم)؛ ثانيًا – التمييز في مضامين التعليم (المساواة المتعلقة بمناهج التدريس)؛ ثالثًا – التمييز المتعلق بالسيطرة والرقابة على جهاز التعليم (المساواة بالإدارة الذاتية الجماعية لجهاز لتعليم)؛ ورابعًا – التمييز المتعلق بتأهيل القوى البشرية في حقل التربية والتعليم (المساواة في مؤسسات تأهيل المعلمين).

ومن الواضح أن تحقيق المساواة في هذه المجالات ليست مقصورًا على الجوانب المادية كالميزانيات وغيرها، إنما يجب أن يشمل الجوانب الجوهرية، أي، تلك المتعلقة بالهوية الجماعية. من غير الممكن أن تتحقق المساواة الحقيقية إذا كانت مجموعة الأكثرية تحرم أبناء وبنات الأقلية من الحفاظ على هُويتهم الجماعية الأصلية ومن تطويرها الحر.

يحق للأقلية العربية الفلسطينية في البلاد أن تصون وتطوّر هويتها القومية بشكل حرّ، وأن تنقلها للأجيال الشابة القادمة. ويعتبر التعليم أداة رئيسية في ممارسة هذا الحق، لذا يجب أن تعكس أهداف ومضامين ومبنى التعليم العربي الهوية القومية والحضارية، الرواية التاريخية، والأرث العربي الفلسطيني.

وللحقيقة، فبينما ينضح التعليم العبري بالرواية القومية-الصهيونية فإن جهاز التعليم العربي قد جرِّد من كل دلالة قومية فلسطينية. ويحول هذا التمييز دون تمكّن الأقلية كمجموعة قومية من الحفاظ على هويتها القومية والحضارية. من هنا الواجب الحقوقي والأخلاقي على الدولة أن تمكّن الأقلية القومية من أن تصون وتطوّر هويتها هذه من خلال إعطاء فرصة متساوية لإدارة ذاتية تربوية عربية، كما لمجموعة الأكثرية.

  • الإدارة الذاتية كحق جماعي

إن حقوقنا في الإدارة الذاتية التربوية والثقافية هي جزء لا يتجزأ من حقوقنا الجماعية. وفي معرض تحليل هذه الحقوق، يتوجب التشديد على حقيقة أساسية، مرتبطة ارتباطًا وثيقًا في أي خطاب حول مكانة وحقوق الأقلية العربية: حقيقة كون الجماهير الفلسطينية في إسرائيل أهل البلاد الأصليين، وعلاقتها العضوية بوطنها. هذه الحقيقة، إلى جانب كون هذه الجماهير جزءًا لا يتجزأ من الشعب العربي الفلسطيني، هي حقائق مؤسِّسة في بلورة مكانة الجماهير الفلسطينية في إسرائيل، أخلاقيًا وحقوقيًا. إنّ أصلية المجتمع الفلسطيني تشكل جزءًا لا يتجزأ من تجربته في البلاد، ولهذا المجتمع الباقي في وطنه خاصيات قومية ولغوية وثقافية ودينية.

تهدف الحقوق الجماعية في الإدارة الذاتية لتمكن أبناء وبنات المجموعة من تطوير هويتهم الخاصة وتجربتهم الجماعية تطويرا كاملاً وحرًا، بما يشمل شؤون التربية والتعليم، والثقافة، والدين، والإعلام، والتخطيط، والرفاه الاجتماعي. وهي حقوق تتمتع بها مجموعة الأكثرية فعليًا بحكم كونها جزءًا لا يتجزأ من تقرير المصير السياسي الذي تمارسه في الدولة كمجموعة.

وفي صلب المطالبة بالحقوق الإدارة الذاتية، نجد الاعتراف بأصلانية الأقلية الفلسطينية في البلاد، والاعتراف بحقها في تقرير المصير فيما يتعلق بشؤون حياتها ذات الخاصية؛ بما يكمّل شراكتها في الحيّز العام في الدولة.

تتضمن الإدارة الذاتية في مجال التربية والتعليم إدارة جهاز تعليم عربي على يد اختصاصيين وتربويين فلسطينيين يشكلون قيادة تربوية ديمقراطية للتعليم العربي ويحددون غاياته ومضامينه، ويتم اختيارهم بالتوافق بين ممثلي ومنتخبي الجماهير العربية. ومن الممكن أن تنعكس الإدارة الذاتية في المدارس العربية، وفي مدارس ثنائية القومية عربية – يهودية، على حد سواء. كذالك يتوجب أن تشمل الإدارة الذاتية الثقافية ضمان تعليم عال رسمي باللغة العربية.

وفي ما يخص الثقافة، يجب أن تضمن الإدارة الذاتية تأسيس وضمان آلية تمويل عام لمجلس ثقافي عربي، ولمؤسسات ثقافية عربية، كوسائل الإعلام، والمكتبات العامة، والمتاحف، والمسارح، والسينما وما شابهها؛ لتطوير الثقافة العربية الفلسطينية وتعزيز الحياة الثقافية العربية.

وما ضاع حق وراءه مطالب.

  • محاضر حقوقي. مدير مركز “دراسات” للحقوق والسياسات وعضو المجلس التربوي العربي