المجلس التربوي العربي

 

المجلس التربوي العربي: حق جماعي وحاجة تربوية

 

المجلس التربوي العربي

تشير نتائج “مقياس النجاعة والنمو المدرسي” (الميتساف) وامتحانات “بيزا” و”بيرلز” العالمية في السنوات الأخيرة إلى استمرار تردّي التحصيل وتدنيه في التعليم العربي. كذلك يدل أكثر من مؤشر على فشل التعليم العربي في التأسيس لثقافة تنظيميّة ومنظومة قيميّة تمكّن الإداريين والمعلمين والطلبة فيه من التعاطي بنقدية ومسؤولية مع أسئلة الهُوية والقضايا المجتمعية الخاصّة بالمجتمع العربي الفلسطيني في إسرائيل. الإخفاق في التحصيل وفي ترسيخ منظومة قيميّة باستطاعتها الإسهام في بناء هوية جماعية فلسطينية أصيلة ومنفتحة على قيم التعددية والديموقراطية، هو نتيجة لأسباب يتحمل المجتمع العربي المسؤولية عنها وأخرى هي نتاج سياسات التمييز. من دون التقليل من أهميّة تأثير الحمائلية والطائفية والتعصب واللّهاث خلف قيم السوق على المدرسة العربية، إلا أنه تبقى السياسات والممارسات الرسمية هي العامل الحاسم في تطوّر التعليم العربي.
في هذا السياق، يعاني التعليم العربي من تمييز منهجي مستمر في الموارد المخصصة، المضامين المقررة والمشاركة المتاحة في صناعة السياسات والقرارت التربوية للتعليم العربي. كما تستمر وزارة التربية والتعليم في التعاطي مع قضايا التعليم العربي من منظور “الحاجة لجسر الفوارق” بين التعليم العربي والعبري، وذلك عبر توجيه ميزانيات خاصة لكن غير كافية لهذا الغرض دون أن تتعاطى بشكل جدي مع الجوانب الهوياتية للتعليم العربي.
من الجدير بالذكر أن وزارة التربية والتعليم قد أقامت عبر السنين الماضية عددًا كبيرًا من اللّجان لفحص قضايا التعليم العربي ولتقديم توصيات للنهوض به. تميزت أعمال وتوصيات هذه اللجان بما يلي : قصور في التعاطي مع القضايا البيداغوغية والقضايا الاجتماعية الخاصّة بالتعليم العربي. القصور في هذا الصّدد هو ليس فيما يتعلق بالذاكرة التاريخية فحسب، بل أيضًا فيما يتعلق بالمشاكل الاجتماعية والتي أفرزها واقع الأقلية الفلسطينية في ظل الإقصاء والإلغاء. تجاهل أهميّة المشاركة الجوهرية والتمثيل المؤثر للمجتمع العربي في دوائر القرار بالنسبة للمضامين والسياسات التربوية. غياب نظرة شمولية للتعليم العربي تتعاطى مع ضرورة إجراء إصلاحات بنيويّة وتنظيميّة تتعلق بالأنظمة والصلاحيات وأطر الإدارة والإشراف التربوي وتطوير المناهج في السكرتارية التربوية العامة وما يتفرع عنها من مديريات فيما يخص التعليم العربي. التعامي عن غياب إطار حقوقي-قانوني للتعليم العربي يبين مكانته واستحقاقاته وينظم الملكية فيه وعليه ويحدد آليات الإشراف عليه وسبل دعمه ضمن الوزارة وخارجها. تهميش قضية الهوية الوطنية للمجتمع العربي والحقوق الجماعية المترتبة على ذلك في مجالات مثل اللغة العربية، الإدارة الذاتية والرواية التاريخية.
إزاء ما سبق، تعمل لجنة متابعة قضايا التعليم العربي على تدعيم التعليم العربي وعلى إقامة مديرية ومجلس تربوي للتعليم العربي ضمن وزارة التربية والتعليم، وذلك عبر اجراء الأبحاث وتنفيذ مشاريع تربوية وقيادة حملات مرافعة قانونية وجماهيرية حول قضايا التعليم العربي. من هنا، إقامة المجلس التربوي هي خطوة نحو وضع تحد رمزي وطرح مبادرة عملية أمام الجهات الرسمية ومؤسسات المجتمع العربي من أجل بناء القدرات الذاتية للمجتمع العربي الفلسطيني في البلاد. كما تنسجم هذه المبادرة مع التوجه الذي تضمنته وثائق التصور المختلفة نحو ضرورة تنظيم المجتمع العربي الفلسطيني وبناء مؤسسات وأجسام مهنية وجماهيرية لتحقيق إدارة ذاتية ديموقراطية للشؤون الثقافية، خصوصا في مجال التعليم.

ما هو المجلس التربوي؟

يعمل “المجلس التربوي العربي”، كإطار مهني مرجعي، على تقديم أوراق عمل ودراسات ومراجعات حول القوانين، السياسات، المناهج، البرامج، التجارب وآليات العمل في مجال التعليم العربي. يفتح المشروع للعاملين في حقل التربية والتعليم فضاءً مهنيًا للتفاكر الجماعي بخصوص التعليم العربي وقضاياه الخاصة عبر عقد نشاطات جماهيرية ودراسية. يسعى المشروع إلى التأثير على صناعة السياسات والقرارات التربوية وطرح البدائل لواضعيها على كافة المستويات، خصوصًا فيما يتعلق بالمواضيع ذات الصّلة بصناعة الهوية والمواطنة المشتركة. يعمل المجلس من أجل تشكيل سكرتارية تربوية عربية مهنية، تتبناها وزارة التربية والتعليم كجسم قانوني وتنظيمي دائم ومستقل، يعمل كمرجعية مهنية ذات طابع ملزم ضمن وزارة التربية والتعليم، لضمان المساواة الجوهرية والشراكة الفعلية والاعتراف بالخصوصية الثقافية فيما يتعلق بالسياسات التربوية للتعليم العربي. يطرح المجلس التربوي العربي نفسه كمبادرة بإمكان الوزارة أن تتعاطى وتتعاون معها، وليس كبديل لوزارة المعارف وللسكرتارية التربوية فيها. يشارك في عضوية المجلس التربوي العربي باحثون ومختصون في مجالات التربية والتعليم، إلى جانب ممثلين عن المعلمين والأهالي والطلاب وناشطي العمل الأهلي وأهل الفكر والثقافة.

لماذا المجلس التربوي؟

لأنه من حقنا إدارة شؤوننا الثقافية بحرية واستقلالية. الحق في أن نتعامل بشكل جماعي مع مشاكلنا التربوية دون أن يؤدي ذلك إلى حالة من الانفصال والتقوقع. الحق في أن توفر الدولة الإطار القانوني الملائم للتعليم العربي وأن تكفل له الموارد اللازمة لتحقيق تميّزه الثقافي وفرادته اللّغويّة واستقلاليته التنظيميّة، ضمن وزارة التربية والتعليم. ولأننا بحاجة إلى تطوير خيار ثالث غير خياريّ الدمج القسري أو الإقصاء المهمِّش. خيار يقوم على مبادئ التعددية الثقافية التي تضمن اعتراف الدولة بالخصوصية الثقافية ودعمها للآليات التي تكرسها دون أن يؤدي ذلك إلى العزل والانفصال وتنصّل الدولة من مسؤولياتها. لأنه من حقنا أن تعترف الدولة بالتعليم العربي كتعليم ذي خصوصية قومية وثقافية، يتم التعامل فيه مع اللغة العربية من حيث كونها مركبًا هوياتيًا وليس فقط أداة للتواصل، ولكي يتم لنا ذالك يجب التعاطي مع الهوية الوطنية والرواية التاريخية للمجتمع العربي الفلسطيني باستدامة ومنهجية. ولأننا بحاجة إلى إطار مستقل ومهني يمكن من خلاله أن نتفاكر جماعًيا بشأن التعليم الذي نريده لأولادنا في مجتمع يعيش تحت ضغوطات الفقر، العنف، الطائفية، الخصخصة، تشويه الهوية، استضعاف المرأة وتدمير البيئة. لأنّه من حقنا أن نؤثر بفاعلية على التعليم الذي نطمح إليه من أجل أطفالنا على مستوى صناعة السياسات التربوية وليس فقط على مستوى تنفيذها. ولأننا بحاجة إلى إطار مستقل ومهني يمكن من خلاله فحص جودة المناهج التعليمية والبرامج التربوية القائمة ومدى ملاءمتها لحاجات المدرسة العربية. ولأننا بحاجة إلى بوصلة تربوية حتى لا نضيع الاتجاه نحو قيم الانتماء والمساواة والكرامة والسلام والعدل الاجتماعي للمستضعفات والمستضعفين، ونحن فيما نحن فيه من لهاث خلف قيم السوق ومنطقه وحمى الفردانية وتفكيك كل الروابط الجماعية التي تربطنا. ولأنّ السكرتارية التربوية العامة في وزارة التربية والتعليم تغبن التعليم العربي من حيث: الميزانيات المخصصة للتعليم العربي، المساحة والوقت المعطيان لنقاش قضايا تربوية خاصة بالتعليم العربي، نوعية وعدد الأعضاء العرب في السكرتارية التربوية. ولأن التعليم الديني المستقل في إسرائيل يحظى بمديرية مستقلة وبمجلس تربوي يُعنى بقضاياه التربوية الخاصة ضمن وزارة التربية والتعليم فيما يحرم التعليم العربي من ذلك. لأنه من حقنا أن يكون للمجتمع العربي صوت ودور في حيز صناعة السياسات التربوية الذي تتصارع فيه الإرادات والمصالح والأيدلوجيات المختلفة للقوى السياسية والاقتصادية والاجتماعية بمؤسساتها ومنظماتها وممثليها حول قضايا مثل: مشاريع القانون والتعديلات المقترحة، مبنى وفحوى برنامج التعليم المشترك (תכנית הליבה)، الإصلاحات والتغييرات البنيوية المقترحة. ولأننا بحاجة للخروج من خانة ردود الفعل والضحوية إلى موقع المبادرة والفاعلية. ولأننا بحاجة إلى استعادة المسؤولية على التعليم العربي.