وثيقة: مسودة أهداف التربية والتعليم للأقلية العربية الفلسطينية في إسرائيل

 

 

(إصدار: المجلس التربوي العربي المنبثق عن لجنة متابعة قضايا التعليم العربي)

 

أهداف التعليم العربي (تنسيق بي. دي إف)

 

  • ·        مدخل

منذ بدأ الفلسطينيّون والفلسطينيّات، يدركون أنّهم يطلّون سويّة على أكثّر من بحر من أرضٍ واحدة، تطلّعوا للعيش بحريّة وكرامة في وطن واحد، وضمن هُويّة قوميّة مشتركة وجامعة. وقد أسّسوا، شأنهم كسائر شعوب الأرض، عمرانهم في ريف ومدن فلسطين، وصنعوا تاريخهم من الصواب والأخطاء، واستعدوا لتوريث أبنائهم وبناتهم منجزهم الحضاري، ولغتهم العربيّة، ومواردهم المادية وخبراتهم العمليّة والفكريّة والروحية.

ثم كانت “النكبة” وما زالت. أنتُكب الشعب الفلسطينيّ بمشروع الحركة الصهيونيّة، الذي قضى بإقامة بيت قومي لليهود في فلسطين، من خلال ممارسات عنيفة وعنصريّة شملت الترويع والتهجير والتدمير والسلب والتطهير العرقيّ في أكثر من مكان وأكثر من حالة. وهو ما أنتج تجارب وهويات جديدة ومتقاطعة في منافي هذا الشعب وشتاته، بل وداخل وطنه أيضا.

هنا، في حيّزه الطبيعيّ والتاريخيّ، أنتجت “النكبة” حالة جديدة للشعب الفلسطينيّ الذي بقي في وطنه ضمن حدود منطقة عام 1948. ألفى أصحاب البلاد الأصليين أنفسهم أقليّةً في دولة ذات أغلبيةٍ يهوديّة تصرُّ على نفي الطابع الجمعيّ عن هذه الأقليّة، بل والتعاطي معها كخليطٍ من الأفرادِ والطوائف. حالة توفّرت لهم فيها حقوق جزئية مشروطة بتبني دونيتهم القوميّة والثقافيّة ضمن تراتبيات المجتمع في إسرائيل، وقبول هويّة دولة إسرائيل كدولة الشعب اليهودي حصرًا وأينما كان. في ظلّ هذه المعادلة يُطلب من الشعب الفلسطيني في إسرائيل قبول يهوديّة الدولة كنتاج تاريخيّ وطبيعيّ وأخلاقيّ لنكبتهم، وكإطارٍ نهائيّ لترتيب علاقات القوّة بين الشعبين الفلسطيني واليهودي في الدولة.

لكن، في نفس الوقت الذي أخلت النكبة بعلاقة الشعب الفلسطينيّ بذاته ومكانه وتطوّره الطبيعيّ، لم يكن هذا الشعب يوما ضحية تستكين إلى سلبيتها وضحويتها، بل العكس هو الصحيح، ما يزال هذا الشعب يواجه في كل مواقع تواجده مفاعيل النكبة المستمرّة، متمسكًا بوحدته وعودته، وساعيًا إلى استعادة حقوقه من خلال مشاريع سياسية متنوعة، قد نختلف وقد نتفق بشأن منطلقاتها ووجهة قياداتها. هذا، فيما تخوض الأقلية الفلسطينية في إسرائيل نضالات متواصلة ومتنوّعة، في سبيل تحصيل حقوقها كأقليّة أصلانيّة وكمواطنين متساوين.

 من هنا، وتأسيسا على ما تراكم من النضالات السياسية، التي أكّدت على انتماء العرب الفلسطينيين مواطني دولة إسرائيل إلى الشعب الفلسطيني والأمّة العربيّة والحضارة الإسلامية والفضاء الإنساني الرحب، ارتأى المجلس التربويّ العربيّ وضع أهداف للتربية والتعليم لدى الأقلية الفلسطينيّة في إسرائيل، وذلك كخطوة عمليّة نحو تحقيق خصوصيّتها القومية – الثقافية – اللغوية ضمن منظومة من الحقوق الجماعية في إطار مواطنة تعددية ومتساوية ومنصفة. يجدر ذكره، أنّ المجلس التربوي العربي هو مبادرة أهلية من تأسيس لجنة متابعة قضايا التعليم العربي تجسّد رغبة المجتمع الفلسطينيّ في إسرائيل بممارسة حقّه الكامل بالتعليم، خاصّة فيما يتعلق بجودته ومناليته وتضمنه الرواية التاريخية – الاجتماعية الفلسطينية.

 

  • ·        الأهداف

تنطلق أهداف التعليم والتربية للفلسطينين في إسرائيل، ضمن الأطر المنهجيّة وغير المنهجيّة، من القيم الإنسانيّة المشتركة وحقوق الإنسان كما تنص عليها المواثيق الدوليّة، بوصفهم جماعة وأفرادًا منتمين إلى حلقات اجتماعيّة وسياسيّة واقتصاديّة وثقافيّة على مستوى المجتمع والشعب والدولة والأمّة والحضارة والعالم أجمع. كما تستند هذه الأهداف على دور المدرسة كرافعة للتنمية المجتمعيّة والمشاركة الجماهيريّة والمبادرة الإقتصاديّة، ضمن مشروع تربويّ متكامل ومستدام لتطور المجتمع الفلسطينيّ نحو حياة مجتمعيةٍ هانئةٍ وكريمةٍ ومطمئنةٍ على أسس الحوار والتعددية والعدل الإجتماعي. مشروع يقوم على مناهضة ما هو نازل بالمجتمع الفلسطيني في إسرائيل من جوْر سياسات الدولة وآثارها المعيقة، وعلى مواجهة ما هو متداخل به من أنساق فكرية وأنماط سلوكيّة وآفات مجتمعيّة عنيفة، مثل التعصب والجهوية والحمائلية والطائفية ودونية مكانة المرأة والإساءة للبيئة وضعف التعاضد وهيمنة ثقافة السوق ومنطقها على التعاطي المجتمعي.

لتحقيق هذه الأهداف، لا بد من تطوير جهاز تربية وتعليم عربي ـ فلسطيني مستقل ثقافيا، وذي خصوصيّة قوميّة تدعمه الدولة، وتكفل له الموارد اللازمة لتحقيق فرادته اللغوية واستقلاليّته التنظيميّة. جهاز قادر على تَمكين الطلبة والمعلمين الفلسطينيين في هذه البلاد على حد سواء، من حيث إتاحته فرصاً تعليميّةً متكافئةً ونوعيّة، وتعزيزه لدور المعلّم كمهنيّ وقياديّ في مدرسته ومجتمعه، وذلك بديموقراطيّة وشفافيّة وفاعليّة ونجاعة. من أجل كل هذا، لا بد من التأكيد على أن العنصر الأهم في عملية التغيير يكمن في دور الأهل والمعلمين، وأداء القيادة التربويّة العربيّة، والتزام السلطات المحليّة العربيّة ومؤسسات المجتمع المدنيّ. وعليه، فإن أهداف التربية والتعليم للفلسطينيين في إسرائيل تتكامل لتحقيق ما يلي:

  1. توفير بيئة تربويّة – تعليمية آمنة وممتعةٍ من شأنها مساعدة الفرد على تنمية واستكشاف قدراته واهتماماته وميوله ومهاراته، وذلك بغية تهيئة إنسان حر ومثقف ومبدع ومنتج ومتفاعل.
  2. دفع الحراك الإجتماعيّ والإقتصاديّ للمتعلمين، من أجل رقيّهم ورفاهيّتهم. يتضمن ذلك إنخراطهم في مجتمعهم بشكل مؤثر وخيّر ومثمر، وإلتحاقهم بسوق العمل بما يتلاءم مع تطلعاتهم بمهنية وتميز واستقامة.
  3. تهيئة الفرد للتعاطي مع الثورة المعلوماتيّة والمعرفيّة ونُظُمها المركّبة وتقنيّاتها المتقدمّة، وللمنافسة على فرص التعلّم والعمل في واقع معولم وفي سياقات وأطر متعددة الثقافات والتخصّصات.
  4. تعزيز القيم الأخلاقيّة – الإنسانيّة والمدنيّة – التقدمية، وتنمية الوعي بالحقوق والمسؤوليّات الفرديّة والجماعيّة، نحو حياة مجتمعية تسودها مبادئ الحريّة والعدل والتعددية والعطاء والمبادرة والمساءلة.
  5. تيسير عمليّة الالتحاق بمؤسسات التعليم العالي على أنواعها والتهيئة للتكيّف الاجتماعي الناجح، والتفوّق الدراسيّ ضمنها.
  6. تعزيز مكانة اللغة العربية قراءة وكتابة وحديثًا، على مستوياتها المختلفة، من أجل التعبير بها كلغة هويّة وانتماء وتواصل، وكوسيلة للإبداع الثقافيّ والبحث العلميّ، وذلك من خلال توفير بيئة لغويّة غنيّة وداعمة.
  7. تطوير المعرفة بالبيئة المحليّة، من أجل تنمية مجتمع قادر على مواجهة قضايا العدل الاجتماعي. يتضمن ذلك تنمية التواصل مع الطبيعة والأرض بمكوناتهما الماديّة ودلالاتهما الرمزيّة من خلال تربية للاستدامة تحفظ للأجيال الحالية والقادمة حقوقها في الموارد الطبيعية والمجتمعية، وفي ما تراكم من خبرات ومعارف أصلانية.
  8. تأصيل الانتماء لهُويّة وطنيّة عربية – فلسطينية، معتزّة بمنجزها الحضاريّ، ومتواصلة بفاعليّة مع عمقها العربيّ والإسلاميّ. تتأسس هذه الهويّة على تعزيز اللّحمة بين أبناء الشعب الفلسطيني الواحد، تعزيز الذاكرة الجمعيّة والرواية التاريخيّة الفلسطينيّة، التأكيد على الحقوق التاريخية والسياسية للشعب الفلسطينيّ، واحترام التعدديّة الثقافيّة والدينيّة والمجتمعيّة الداخليّة للمجتمع الفلسطينيّ.
  9. تعزيز الحوار مع الآخر اليهودي ـ الإسرائيلي بحثا عن أفق للعيش المشترك في وطن واحد دون هيمنة وسيطرة لأي جانب. والتربية للتطلع للحياة بأمان وتعاون ومساواة، وذلك من خلال السعي إلى بناء مجتمع مدني يعكس الاحترام المتبادل بين الشعبين الفلسطيني واليهودي، وصولا لمواطنة كريمة جامعة ومتساوية.

10. التعرّف على تاريخ وموروث الشعوب الأخرى والديانات المختلفة، والانكشاف على إسهاماتها وإنجازاتها العلمية والثقافية والروحية والفنية الجمالية، والتأكيد على ضرورة استثمارها للمصالح الإنسانية العامة.