منتدى معلمي ومعلمات المدنيات العرب كمثال

بقلم: شرف حسان – رئيس لجة متابعة قضايا التعليم العربي

في ذروة الصراع المتجدد على منهاج وكتب المدنيات التي اخذت منحى خطير العام 2009 مع سيطرة الليكود واحزاب اليمين على وزارة التربية والتعليم، حيث قامت وزارة المعارف بإحداث تغييرات جوهرية في منهاج المدنيات تتماشى مع ايديولوجية التيارات الصهيونية اليمينية، وعزلت مفتش الموضوع ادار كوهن عن منصبه بتهمة “اليسارية” وشرعت بتغيير كتاب التدريس، أخذت قبل حوالي ثلاثة سنوات مجموعة من معلمي ومعلمات الموضوع زمام المبادرة وأقامت منتدى لمعلمي المدنيات العرب. لم يقف معلمو المدنيات متفرجين ولا باكين على الوضع بل تحركوا مؤمنين بانهم قادرين على المبادرة والعمل وتحمل المسؤولية وعلى الفعل وليس فقط رد الفعل. لقد تحول هذا المنتدى خلال السنوات الثلاث الماضية الى اطاراً مهنيا فعالاً يبادر الى نشاطات هامة كإصدار كتاب ومواد في الموضوع للمعلم وللطالب تشمل النقد على المواد الرسمية وتقترح مواداً مكملة وبناء مجموعة في شبكات التواصل الاجتماعي تشمل مئات المعلمين توفر لهم فضاءً لتبادل الآراء والخبرات والاقتراحات والأهم انها تخلق الشعور بان المواجهة ليست فردية بل كل معلم هو جزء من مجموعة داعمة. كذلك بادر المنتدى لنشاطات للتعرف على مشاكل مختلفة للمواطنين العرب كالجولة لقرى لا تعترف بها الحكومة في النقب. هذا الاطار يدعم المعلم ويساهم في تحرير وعيه واكتشاف طاقاته من جديد ويحوله من مجرد مدرس للمادة الى كيان فعال له مساهماته التي هي اكبر من حدود امتحانات الوزارة.

كون هذا الاطار للمعلمين العرب فقط، الامر المشق من واقع الفصل في جهاز التربية والتعليم في اسرائيل، لم يثنه عن حمل رؤية شمولية للتغيير في صلبها ضرورة النضال لتغيير كافة مناهج التعليم في المدارس اليهودية والعربية واحداث تغيير جذري وشامل في السياسيات التربوية وعن التعاون مع اطر اخرى تنشط في الوسط اليهودي وبناء ائتلافات واسعة وخوض نضالات مشتركة وقد نشط بعض الاعضاء في اطر وائتلافات احتجاجية يهودية-عربية، بل ايضاً في قيادتها وتأسيسها، ضد ما يجري في موضوع المدنيات ممثلين لمواقف تمت بلورتها بشكل جماعي في المنتدى.

استراتيجية بناء القوة

يشكل هذا المنتدى نموذجا لاستراتيجية بناء القوة لدى المضطهد والنضال من أجل التغيير الذي يعتمد على القاعدة الجماهيرية. هو تجسيد لحالة نهضوية رافضة للظلم وتذويت القهر وتتحمل المسؤولية مؤمنه بانه اذا لم نصنع التغيير نحن لن يصنعه أحد بدلا منا. هذا النموذج لا يكتفي بمطالبة المؤسسة بإحداث تغييرات ولا يرضى بالجلوس في انتظار التغيير القادم من فوق او مجيء مخلص ليصنع التغيير المنشود ويقوم بالشغل الذي من المفروض ان نقوم به نحن او بكيل التهم والانتقادات للأخرين المقصرين، كما يفعل الكثيرون ليل نهار على شبكات التواصل الاجتماعي. هذه الاستراتيجية تعول على بناء وعي ناقد للمعلمين الذي من شأنه ان يحدث تغييراً في دور المعلم فيسيّسه ويحوله من مجرد أداة او “برغي في الجهاز” ينفذ ما يطلب منه ويتوقع منه المسؤولين والمقتصر عادة على تمرير المادة وتلقينها وتحضير الطلبة للامتحانات والسيطرة على الصف، الى معلم ومرب ملتزم ومثقف عضوي منخرط في قضايا مجتمعه وهمومه ونضاله من اجل التحرر والحقوق يعي دوره الاجتماعي ويرى بنفسه قائداً تربوياً يقوم بدور حاسم ورسالة كبرى في المجتمع. ان تحرير وعي المعلم هو المقدمة لتحرير وعي الطالب. وتحرير وعي الطلاب والمعلمين هو مركب أساس في عملية التغيير المجتمعي. بناء هذا الوعي واحداث تحول عند المعلمين هي ليست بالسهلة لكون الصراع مع سلطة تملك وسائلها وأدواتها المحكمة كالاحتواء والترهيب وغيرها وفي واقع يشمل صعوبات وتعقيدات مختلفة. ومع ذلك فان هذا التغيير ليس بالمستحيل كما يمكن ان نتعلم من تجربة منتدى المدنيات الذي يجب تقويته ليصمد ويواصل المسيرة فالنضال بحاجة الى نفس طويل ولن يحدث بكبسة زر.

معلم مسيّس (المسيّس ليس بالضرورة ان يكون ناشطا حزبياً) يحمل وعي ناقد يستطيع ان يجعل من اسوأ نص مادة جيدة لسيرورة تربوية نقدية تفتح الافاق وتزرع الشك العلمي وحب الاستطلاع وتنمي المقدرة على طرح الاسئلة والبحث عن مصادر معلومات بديلة موجودة عادة في ذاكرتنا الجمعية او في المكتبات ومحركات البحث في شبكة الانترنت المتاحة من خلال اجهزة النقال الذكية التي يستعملها الطلبة غالبا لغايات اخرى. معلم كهذا يعي انه يجب ان يكون قدوة لطلابه في كل شيء.

ان هذه المبادرة الخلاقة لمعلمي المدنيات تشكل نموذجاً ناجحاً للعمل وتستحق ان نتعلم منها وان ننسخها لمواضيع ومجالات اخرى.

نحو بناء منتدى لمعلمي ومعلمات التاريخ

منهاج التاريخ مشتق هو ايضاً من الاهداف السياسية للمؤسسة المهيمنة التي تتبنى الرواية الصهيونية (التي تعرف مؤخراً وفق تفسيرات اليمين- الديني) ولا تعترف بنا كشعب متجذر في هذا الوطن ولا باحتياجاتنا التربوية في مجال تدريس التاريخ. سياسة تربوية تؤسس لوضع سياسي أسوأ مما عليه اليوم. هذا “التاريخ” الذي تسوقه مناهج التدريس الاسرائيلية يزيد من حالة الاغتراب بين المجتمع الفلسطيني وجهاز التربية والتعليم ويخلق وضع مأزوم يتعلم فيه طلابنا عن “الاخر” ولا يتعلمون عن انفسهم كما يريدون هم في الوقت الذي يتعلم فيه الطلبة اليهود عن تاريخهم بشكل عرقي منغلق متجاهل للشعب الفلسطيني. حالة الاغتراب في جهاز التربية والتعليم عند الطلبة والمعلمين والمجتمع ككل، لها اسقاطاتها السلبية على طلابنا وهويتهم وانتماءهم والتزامهم لقضايا مجتمعهم وكذلك في تأسيس أرضية لانتشار العنف والظواهر السلبية الاخرى.

تجري هذه الايام تحركات بمبادرة لجنة متابعة قضايا التعليم العربي لتأسيس منتدى لمعلمي التاريخ العرب. ان اقامة منتدى لمعلمي التاريخ من شأنه ان يلعب دوراً ايجابياً في مجال تعليم التاريخ كما يلعب منتدى المدنيات دوراً ايجابيا في مجال تعليم المدنيات. هذه الفكرة المشتقة من توجه استراتيجي متكامل للجنة متابعة التعليم العربي  يجري تعميمها لمواضيع ومجالات اخرى فيجري تحضير الأرضية لإقامة منتديات للمعلمين في مواضيع اخرى واطر اخرى شبيهه كمنتدى مدراء اقسام التربية في السلطات المحلية العربية، ونجاحها من شأنه ان يعطي قوة لنضالنا من أجل تغيير شامل في مجال مضامين وبنية التربية والتعليم في الدولة.