التعليم العربي الفلسطيني في إسرائيل

التعليم العربي الفلسطيني في إسرائيل

توطئة

عكفت حكومات إسرائيل المتعاقبة، مباشرةً بعد العام 1948، على إحكام قبضتها على جهاز التربية والتعليم في القرى والمدن العربية الفلسطينية، بهدف السيطرة السياسية المباشرة على الجماهير الفلسطينية التي بقيت في وطنها بعد النكبة، وأجيالها الجديدة على وجه الخصوص، استلهامًا بمنطق الزعيم الصهيوني دافيد بن غوريون، القائل إنّ “الكبار سيموتون والصغار سينسون”.

ودأبت الأجهزة “الأمنية” الإسرائيلية على ضبط ورقابة العاملين في سلك التربية والتعليم، خاصة في فترة الحكم العسكري التي امتدّت حتى العام 1966، والتي فُصل واستُبعِد خلالها مئات المربين بسبب مواقفهم السياسية الوطنية ومناهضتهم للحكم العسكري. واستغلت السلطات الإسرائيلية وأحزابها جهازَ التعليم لمآربها السياسية والحزبية، فكانت التعيينات على المستويين المحلي والقطري تجري ضمن صفقات انتخابية، خاصة حزبا “المباي” (حركة “العمل”) و”المفدال” (التيار الديني القومي) اللذان سيطرا لعقود طويلة على وزارة التربية والتعليم الإسرائيلية.
في تلك الحقبة، كان على المعلمين العرب، مثلاً، إظهار “ولاءهم” للدولة التي قامت على أنقاض شعبهم. ناهيك عن إجبار الطلاب والمعلمين على الاحتفال بذكرى استقلال دولة إسرائيل.

وما زال “جهاز الأمن العام” الإسرائيلي، “الشاباك”، إلى يومنا هذا، يتدخل بفظاظة في تعيين مديري المدارس العربية، وإن وجبت الإشارة إلى أنّ السلطات المحلية العربية تتمتع اليوم بهامش أوسع نسبيًا من الحريّة في التعيينات المحلية، خاصة في المرحلة الثانوية. أما على صعيد موظفي الوزارة والمفتشين فما زالت التعيينات تحتكم إلى سياسة التدجين، لا بل، في أحايين كثيرة، إلى عدد المنتسبين الذين يجنّدهم المرشح إلى حزب الوزير الحاكم.

بث العدمية القومية

ووضعت السلطات الإسرائيلية أهدافًا تعليمية ومناهج ومضامين مدروسة، ترمي إلى بث العدمية القومية في نفوس الأجيال الفلسطينية الشابة، وسلخها عن انتمائها القومي والوطني والثقافي والحضاري الأصيل. وتندرج سياسة التجهيل هذه ضمن استراتيجية إسرائيلية قديمة، باءت بالفشل، لخلق “عربي إسرائيلي” هجين، يتكيّف والنظام العنصري الذي يخيّره بين مواطنته وانتمائه الوطني، ويستغل الأولى ليساومه على الثاني، مع أنها مشتقّة منه.
من هنا، فإنّ السياسة المنتهجة تجاه التعليم العربي هي جزءٌ عضوي من السياسات الكولونيالية العنصرية تجاه الجماهير الفلسطينية الباقية في وطنها. فإلى يومنا هذا ما زالت حكومات إسرائيل المتعاقبة ترفض الاعتراف بوجود أقلية قومية عربية ومجتمع عربي وتعليم عربي، وما زالت تتحدث عن “وسط غير يهودي” و”أبناء أقليات” و”تعليم للعرب”، وتنتهج سياسة “فرق تسُد” الاستعمارية المفضوحة واعتماد التقسيمات الطائفية. وبرز هذا بشكل خاص تجاه الطائفة المعروفية، التي تسعى المؤسسة الحاكمة إلى سلخها عن شعبها، أيضًا من خلال مناهج تعليمية مشوَّهة ومشوِّهة تختلق “تراثًا درزيًا” و”هوية درزية”، وترفع دافعية أداء الخدمة العسكرية المفروضة قسرًا على الشباب العرب الدروز منذ خمسينات القرن الماضي.

التجهيل كوسيلة إفقار وتهجير

في دولة تطغى عليها نزعتا العسكرة والزبائنية، يبقى التعليم أحد عوامل الحراك الاجتماعي القليلة المتاحة، ولو نظريًا، أمام الجماهير العربية المحرومة من كافة مقوّمات التطوّر الاقتصادي والحضاري. لذا فإنّ سياسة التجهيل تكرّس وتعيد إنتاج الهامشية والتبعية الاقتصادية الاجتماعية لهذه الجماهير، وإبقاء أفرادها “حطابين وسقاة مياه” كما قال أحد مستشاري دافيد بن غوريون.
تُظهر المعطيات الرسمية أنّ نسبة أحقية الطلاب العرب لشهادة الثانوية العامة (البجروت) عام 2008 كانت 32% فقط، مقابل 60% تقريبًا لدى نظرائهم اليهود. وفي واقع الأمر فإنّ 75% من خرّيجي المدارس العربية محرومون من فرصة الالتحاق بالتعليم العالي، والباقون يواجهون عراقيل تكاد تكون تعجيزية في القبول للجامعات، خاصة في المواضيع والمهن الحرّة التي يقبِل عليها الطلاب العرب نتيجة واقع سوق العمل الإسرائيلية.
هذه السياسة-السيرورة تبدأ منذ مرحلة الطفولة المبكرة (50% فقط من الأطفال العرب يلتحقون بالروضات والبساتين، مقابل 90% من اليهود)، وتستمر في التعليم العالي (يشكّل العرب أقل من 10% من طلاب البكالوريوس في الجامعات الإسرائيلية، و5% من طلاب الماجستير، و3% من طلاب الدكتوراه)، وفي العمل (نصف الأكاديميين العرب يعملون في مجالات مختلفة عن تخصّصهم). وتسجّل نسبة البطالة بين الأكاديميين العرب أرقامًا قياسية (قرابة 30%) بفعل انسداد آفاق العمل أمام الأكاديمي العربي في العديد من المجالات؛ إذ تبلغ نسبة العاملين العرب في المؤسسات والشركات الحكومة 0,05% فقط، وتكاد تنعدم البنى التحتية والمرافق الاقتصادية في القرى والمدن العربية، المحاصرة بالمستوطنات والخالية من المؤسسات العامة والمناطق الصناعية وأماكن العمل؛ وهو ما يعتبر شكلاً من أشكال التهجير البطيء، إذ يجد الكثيرون من الأكاديميين في الداخل أنفسهم محاصرين بالبطالة في وطنهم، ومحاطين، بالمقابل، بفرص عمل مغرية في الخارج.

صراع على الهوية

السياسة المنتهجة تجاه الطلاب العرب، سياسة التجهيل وبث العدمية القومية، تنعكس في أهداف التعليم الرسمية التي تتنكّر للمركب القومي العربي، والوطني الفلسطيني على وجه الخصوص، في هُويّتهم، لصالح التشديد على الأبعاد التراثية والفولكلورية التي لا تتناقض جوهريًا مع نمط “العربي الإسرائيلي” سالف الذكر. وتنعكس أيضًا في تغييب الأدب العربي والفلسطيني الحديث عن المناهج الرسمية. وهكذا، بدل أن يتعلم أبناؤنا نصوص محمود درويش وإميل حبيبي وتوفيق زيّاد وغسان كنفاني وسميح القاسم، تجدهم مرغمين على تعلـّم نصوص حاييم نحمان بياليك وراحيل وشاي عجنون؛ وعوضًا عن معرفة خليل السكاكيني وإميل توما وأكرم زعيتر وإدوارد سعيد، يتعلمون عن هرتسل ونوردو وبن غوريون. فهل يمكن لمن لا يعرف ثقافته وتاريخه وحضارته أن يعرف ويحترم الآخر وثقافته؟
((وافقت القيادة اليهودية على قبول “قرار التقسيم” الصادر عن الأمم المتحدة، ورفضت القيادة العربية القرار، وعندها نشبت الحرب في البلاد. في 14 أيار 1948 أعلن قادة “الييشوف” اليهودي عن إقامة دولة يهودية مستقلة – دولة إسرائيل. تمامًا بعد إعلان الدولة اشتدّت الحرب، واجتاحت دولةَ إسرائيل أيضًا جيوشٌ من خمس دول عربية (…) في نهاية الحرب تغلـَّب اليهود على العرب ووُقِّعت اتفاقيات هدنة بين دولة إسرائيل والدول المجاورة لها. العرب يسمّون الحرب “نكبة” أي حرب الكارثة والفقد، فيما يسمّيها اليهود “حرب الاستقلال”.))
الفقرة أعلاه، الصهيونية بامتياز – والتي أقرّتها وزارة التربية والتعليم الإسرائيلية في العام 2007 ضمن مقترح لكتاب تدريس الجغرافيا للطلاب العرب في الصف الثالث الابتدائي، يحمل اسم “نعيش معًا في إسرائيل” – أثارت جدلاً حادًا في الرأي العام الإسرائيلي، لمجرّد تضمينها مفردة “النكبة”. وجاء قرار الوزير حديث العهد من حزب “الليكود”، جدعون ساعر، بشطب مفردة “النكبة” والتكرّم بالسماح بمفردة “تراجيديا” (مأساة)، ليؤكد أنّ الثابت في السياسات التربوية الإسرائيلية هو طمس الرواية التاريخية والذاكرة الجماعية الفلسطينية، وتغليب الرواية الصهيونية على مناهج اللغة العربية والتاريخ والمدنيات والجغرافيا. وقس على ذلك جميع الفعاليات اللامنهجية الرامية إلى تعزيز القيم الصهيونية ورموز الدولة اليهودية، وآخرها مشروع فرض النشيد الإسرائيلي بشكل رسمي على المدارس. وقد اضطر الوزير ساعر، مؤخرًا، إلى التراجع عن فرض هذا المشروع في المدارس العربية، إثر تهديد القيادات السياسية والتربوية العربية بإعلان العصيان المدني. ويُشار في هذا السياق إلى أنّ أحد دوافع الإضراب الذي شهدته الجماهير العربية في تشرين الأول-أكتوبر من العام 2009 كان مشاريع صهينة وعسكرة التعليم، ومنع إحياء ذكرى النكبة، ومشروع عبرنة أسماء القرى والمدن العربية.

نحو الإدارة الذاتية

ولا تقتصر العنصرية على الجوانب القيمية والتربوية فحسب؛ فالوجه الآخر لسياسة التجهيل هو سياسة التمييز في الموارد المادية والبشرية. ويكفي أن نذكر أنّ النواقص في التعليم العربي اليوم تصل إلى أكثر من 9 آلاف غرفة و90 ألف ساعة تدريس وخمسة آلاف وظيفة، تقدّر تكلفتها بمليار ونصف المليار من الدولارات؛ وأنّ معدل الاستثمار السنوي في الطالب اليهودي يبلغ خمسة أضعاف الاستثمار في الطالب العربي.

ويرزح أكثر من نصف المجتمع العربي ونحو 60% من أطفاله تحت خط الفقر. ومع أنّ المجتمع العربي برمّته يتموضع في أسفل السلم الاجتماعي الاقتصادي، فهناك مناطق تكابد أوضاعًا أقسى من غيرها، لا سيما الأهل في النقب، حيث يعيش أكثر من 85 ألف نسمة في قرًى وتجمعات سكنية لا تعترف بها المؤسسة الإسرائيلية وتحرمها من أدنى مقوّمات الحياة، كالماء والكهرباء والخدمات الصحية والتعليمية وغيرها. حيث نجد أنّ أوضاع طلاب النقب أسوأ بكثير في كل المعايير (التسرّب، الفقر، الانكشاف للعنف، تعاطي السموم، التحصيل، الالتحاق بالتعليم العالي إلخ)، وكذلك الأمر بالنسبة للطلاب العرب في مدن الساحل الفلسطينية التي أضحت “مختلطة”، عكا وحيفا ويافا واللد والرملة.

ورغم تعدّد وتبايُن رؤى ومشارب الجماهير العربية وقواها السياسية ومؤسساتها المهنية، ثمة إجماع واسع على مطلب الاعتراف بالتعليم العربي كتعليم ذي خصوصية قومية وثقافية، وضمان إدارته على يد قيادات تربوية عربية يختارها المجتمع العربي (حتى وإن كان هذا ضمن البنية التنظيمية القائمة لوزارة التربية والتعليم الإسرائيلية، كما هي حال التعليم الرسمي الديني اليهودي الذي يحظى بحيّز لا بأس به من الاستقلالية الإدارية والتربوية ضمن الوزارة) إلى جانب ضمان المساواة الجوهرية في الموارد؛ علمًا بأنّ المواثيق الدولية تكفل الحق في إدارة ذاتية ثقافية كاملة لمجموعات السكّان الأصليين.