حوار صحفي مع د. أيمن إغبارية حول التمييز والمنهجي واللا منهجي في التعليم العربي

د. أيمن اغبارية

د. أيمن اغبارية

(نُشر هذا الحوار في موقع عرب 48 عام 2009)

د.أيمن إغبارية المتخصص في السياسات التربوية والمحاضر في جامعة حيفا وكلية “بيت بيرل” يسعى، بتعدد اهتماماته بما يليق بأكاديمي ومثقف، إلى تقديم إسهاماته الأكاديمية والميدانية في سبيل إحداث التغيير المنشود، لاسيما على المستوى المهني والإداري، وفي مؤسسات عانت كل أصناف الغبن والتمييز وانعدام المهنية، لما لذلك من آثار على مستوى أداء المؤسسات وعلى الثقافة المجتمعية عموما، وما لها من انعكاسات على البعدين السياسي والوطني العام.

كما يسعى جاهدا لتخطي النمطية التي صبغت شخصية الأكاديمي المتقوقع في تخصصه دون اهتمامات أخرى، لاجتراح معنى آخر وقيمة أخرى لوجوده، الأمر الذي من شأنه أن ينزع الحدود المصطنعة والفاصلة بين العلم والسياسة، وبين الخاص والعام، وبين الثقافة والمسلك.

ويرفض من موقعه الغبن وما يسقطه التمييز العنصري البغيض من آثار وخيمة على واقع أبناء الوطن الأصليين، ليس على مستوى السياسي فحسب، بل وما يتعدى باسقاطاته المستوى الاجتماعي والثقافي والإنساني، وحتى الوجودي، وذلك ربما ما يدفعه بدوره لأن يكون فاعلا إلى جانب زملائه ضمن الأنشطة المناهضة لهذه السياسات، وضمن مؤسسات المجتمع المدني الفلسطيني في الداخل، من موقع المهنية الرصينة والرؤية الشمولية لعملية النهوض ورفعة مجتمعه.

ويوجه سهام نقديته الجارحة للسياسات الرسمية والأهلية وبعض القيمين عليها دون تأتأة أو مواربة، وهو يعلم ما له وما عليه، ما بين الموضوعي والذاتي، وبين الخاص والعام، بين الأساسي والثانوي، وبين المباشر وغير المباشر. ولا ينزع المسؤولية عن الذات إلا بمستوى النقد الذاتي في غياب للعقل والوجدان النقدي، الذي بغيابه يغيب اجتراح الأعمال الإبداعية.

هو محاضر في السياسات التربوية، وتخرج بلقب دكتوراه في جامعة بن سلفانيا الأمريكية، وعمل بعد عودته في مجال العمل اللامنهجي كمدير لقسم الثقافة والفنون، ومستشار تنظيمي في مؤسسة “شتيل” ويقدم استشارات للجنة متابعة التعليم العربي، ومؤسسة دراسات “المركز العربي للحقوق السياسية”، وهو أحد مؤسسي المركز.

أصدرت كتابك حول العولمة والتعليم خلال إعدادك لرسالة الدكتوراه في الولايات المتحدة. هل لك أن تشير إلى أهم الأفكار التي تناولته هذه الدراسة؟

** اقترح أن ندع موضوع هذه الدراسة جانبا لأن إصدار هذا الكتاب تم هناك في أميركا وموضوعاته لا تلامس واقعنا هنا بشكل مباشر. أما بما يتعلق بالأمر عندنا، فمن المهم التأكيد على أن هذا يتأتى على هامشية التعليم العربي. وهذه الهامشية تتجلى من ناحية في قضية التمييز ضد التعليم العربي في المساواة والموارد وفي ظروف التعليم والساعات والملاكات، وعلى سبيل المثال فإن إحصائيات عام 2007 بين أن الجزء المخصص للتعليم العربي ضمن ميزانية الادارة التربوية، هو أقل من 3%، بينما نسبة الطلاب العرب 26%. هذه من ناحية التمييز بالموارد، ناهيك عن التمييز القائم بما يتعلق بالخصوصية الثقافية والقومية للأقلية الفلسطينية، وهذا ينعكس بالضرورة على مضامين التعليم وتجاهل الرواية التاريخية، وهذا يعني التجاهل للرواية الاجتماعية وتجاهل الخصوصية الثقافية كحاضر، خاصة وأن مجتمعنا يعاني من مشاكل خاصة مثل الحمائلية والطائفية والجهوية.

أين القيادات التربوية من كل هذا؟ وأين الممثلون العرب في مثل هذه المؤسسات أم أنهم مجرد أوراق توت؟

في هذا السياق لايوجد أي جسم في وزارة التعليم من شأنه طرح هذه الإشكاليات وتقديم العلاج لها، ولا يوجد للتعليم العربي بوصلة قيمية. ومن ناحية أخرى هناك غياب لمشاركة القيادات التربوية والثقافية في صناعة السياسات والقرارات المتعلقة بالتعليم العربي. والمقصود هنا أن هذه المشاركة المطلوبة لا يقصد منها الدمج أي دمج أكاديميين عرب ضمن أطر المؤسسة الرسمية، إنما المشاركة بالتمثيل، وأعني في الأطر التمثيلية للمجتمع الفلسطيني مثل لجنة المتابعة ومؤسسات المجتمع المدني، وأي تمثيل ضمن المؤسسات الرسمية، وأعني هنا التمثيل المجترح من الاستقلالية الثقافية المنشودة للمجتمع الفلسطيني والحقوق الجماعية الناتجة عن ذلك من داخل هذا الإطار، وإلا فإن العولمة ستعمق هذه الهامشية.

لكن يبدو أن لهذه المعادلة وجهين متناقضين. ألا يهدد هذا الطرح موضوع الهوية الذي تحدثت عنه، لاسيما وأن المستوعبين في المؤسسات الرسمية هم على الأغلب ممن يأكلون من خبز السلطان، وربما غالبيتهم في هذه المواقع ليست لأسباب مؤهلاتهم؟

** نعم يبدو للأمر وجهان متناقضان في ظاهرهما. الناحية الأولى هي ازدياد الوعي وتعاظم المطالبة بتحقيق إدارة ذاتية للتعليم العربي ضمن مقولة الحقوق الجماعية آنفة الذكر، حيث نلاحظ أن مطلب الاستقلالية الثقافية للتعليم العربي بات ضمن الإجماع الوطني في الداخل، وتتنادى الأحزاب العربية ومؤسسات المجتمع المدني التي تتفق فيما بينها على ان يكون للتعليم العربي مديرية ومجلسا تربويا خاصا.

أما الوجه الآخر فهو خطاب التحصيل النيولبرالي الذي يقوم على الفردانية الشرسة واخضاع اهداف التربية والتعليم لمنطق السوق ومتطلبات سوق العمل، بحيث يصبح التحصيل وإحراز نتائج مرتفعة في امتحانات الثانوية “البجروت”/ التوجيهي هو الهدف الأسمى والأعلى للمدرسة العربية. وهذا بدوره يؤدي إلى تآكل الدور التنموي الاجتماعي السياسي للمدرسة العربية، وإلى تزايد التوتر ما بين رغبة المجتمع الفلسطيني برؤية التعليم كرافعة للتغيير الاجتماعي ورغبة المؤسسة الاسرائيلية للتسلط والتحكم بالمجتمع الفلسطيني. وضمن هذا التوتر فإن الخطاب النيولبرالي يؤدي بالطلاب العرب إلى البحث عن النجاح الفردي وحلول بيوغرافية للتناقضات التي يفرزها هذا التوتر. ومجمل القول إن هذا الخطاب يضفي مشروعية على فكرة الخلاص الفردي ضمن مشروع النجاح الإسرائيلي.

إذا ما هي الآليات وأي الأدوات المتاحة التي تكفل تصويب المسار أمام هذه الحالة المأزقية لاسيما وأن المواجهة تتم مقابل أجهزة رسمية تمسك بكل الخيوط؟

** نحن كمجتمع فلسطيني ومؤسسات مطالبون باستعادة المسؤولية عن التعليم العربي، وليس فقط التعليم الرسمي، بل أيضا فيما يتعلق بالتعليم الخاص وتأهيل المعلمين. وبالمناسبة أبارك خطوة لجنة متابعة قضايا التعليم العربي في إنشاء مجلس تربوي عربي يقوم على توجيه التعليم فيما يخص المضامين والسياسات التربوية، ولكن من المهم أن يعكس هذا المشروع مشروعيته ليس من وزارة المعارف، بل من المؤسسات التمثيلية للمجتمع الفلسطيني تحديدا، ويجب أن يثبت كمجلس دائم وأن لا ينحل بمجرد الإعلان عن إقامة مجلس استشاري عربي يعينه وزير المعارف، بل أن يستمر كمجلس عربي يفوم على توجيه المدارس العربية فيما يتعلق بالمناهج وكتب التدريس، لأننا لا نثق دائما بمصداقية التعيينات التي تجريها الوزارة، حيث غالبا ما تكون التعيينات في مواقع قيادية ضمن الوزارة لاعتبارات غير مهنية.

هذا عن التعليم المنهجي والرسمي، فماذا بقي لك أن تقول عن التعليم اللا منهجي هل هو أفضل حالا، وقد يكون فيه شيئا من التعويض او التعزية؟

** التعليم اللامنهجي هو أسوأ حالا بالمقارنة مع التعليم المنهجي، وذلك من حيث المهارات والكفاءات المهنية في مواقع اتخاذ القرار. وللتوضيح بهذا الخصوص فإن حديثي يتمحور حول القيادات التربوية ضمن الوزارة، وليس على المستوى التنفيذي في الحقل. والتعليم اللامنهجي ضمن المجتمع العربي يعيش أزمة هوية فهو لم ينجح بأن ينتج تربية لامنهجية مختلفة جوهريا عن التربية المنهجية من حيث طرق العمل ومضامينه، وغالبية البرامج القائمة تنحى إلى الترفيه، وتتعاطى مع أوقات الفراغ لدى الشبيبة، دون أن يكون هناك رؤية واضحة للدور التنموي والمجتمعي الذي يجب أن يطلع به المركز الجماهيري أو المركز الثقافي والمكتبات العامة.

وفي هذا السياق لابد من التاكيد أن تأهيل العاملين في التربية اللامنهجية لازال يدار دون أن يكون هناك هوية واضحة للدور المهني المنشود من هؤلاء العاملين. كذلك من الأهمية بمكان الإشارة إلى أن غالبية البرامج يتم ترجمتها من العبرية إلى العربية. وتهدف هذه البرامج بمجملها إلى تكريس علاقات القوة القائمة ما بين الأقلية والأغلبية في البلاد على ما هي عليه، وإلى ترسيخ يهودية الدولة لدى الشاب والطالب العربي بحيث يقبلها كطبيعة وغير قابلة للتغيير.